النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

العودة المستمرة إلى إيران:

غياب المواجهة الاستراتيجية وغلبة منطق الأيديولوجيا

رابط مختصر
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440

أرسل لي الصديق هذه الملاحظة بخصوص الأوضاع الحالية في المنطقة وطبول الحرب التي تقرع: 

لقد أعلنت إيران التخلي عن بعض فصول الاتفاقية النووية مع الغرب، وهددت بإغلاق الممرات من وإلى حقول النفط في الخليج العربي، وهددت بمواجهة شاملة. وهي ممعنة في الصراخ والتهديد وتحريك أذرعها لإثارة البلبلة في المنطقة، فماذا تريد إيران؟؟. 

الأمريكان من جانبهم بعثوا بحاملة طائرات إلى المنطقة، يحرسها أسطول من السفن الحربية، والطائرات والقاذفات الاستراتيجية، فما أعاد إلى المنطقة أجواء حرب محتملة، ليس بوسعنا تحمل أعبائها، وهي ليس في مصلحة أحد. لقد تعبنا فعلا من ماكنة الحروب الدائمة في منطقتنا، فلا يكاد يمر وقت سيئ مضطرب متوتر في المنطقة، إلا وإيران عنوانه الرئيسي، فمنذ العام 1979م، وإلى يوم الناس ونحن نعاني من إيران وتدخلاتها التي لا تكاد تنتهي. فبالرغم من أن العرب كانوا قد استبشروا في البداية بأن صفحة جديدة يمكن أن تفتح مع إيران الجارة الإسلامية لبناء علاقة قائمة على التعاون وحسن الجوار والحفاظ على أمن المنطقة، وتنمية اقتصاداتها وتبادل المصالح فيما بينها ليكون الخليج العربي واحة أمن وسلام وازدهار، إلا أن إيران التي تأملنا منها الخير الكثير، لم تجلب للمنطقة سوى الزوابع والمؤامرات والقلاقل التي لم تهدأ منذ 1979م.

كتبت للصديق ردًا موجزًا أكدت فيه على: 

بغض النظر عن التوتر الطارئ مؤخرًا وتداعياته واحتمالاته المتعددة، فإن المواجهة الحالية في تقديري ليست مواجهة استراتيجية بالنسبة للطريفين (إيران والولايات المتحدة الأمريكية) بل كل ما يحدث في تقديري هي تكتيكات تقليدية مكشوفة، للضغط المتبادل باستعراض القوة من أجل فتح باب للحوار والتفاهم بحيث يخرج كل طرف في النهاية من مكبلات الأيديولوجيا، وينتقل إلى ساحة الإستراتيجيا. (وهو تقريبا نفس ما حدث مع كوريا الشمالية عندما كنا على شفى مواجهة بين البلدين فإذا بنا أمام لقاء تاريخي غير مسبوق بين زعيمي البلدين)، ولذلك فإنني لا أصدق أن حرباً ستندلع في المنطقة. 

أما بالنسبة للدور الإيراني، بأبعاده المتعددة فهو لا يثير الجدل حول طبيعته وحقيقة الدوافع المحركة له، فعملية تحديد الوضع الاستراتيجي لجمهورية إيران الإسلامية، وتقييمه لا يتسم، في تقديري، بالكثير من التعقيد - مثلما هو الحال بالنسبة للدور التركي على سبيل المثال - بل هو واضح وضوح الشمس ومعلن، فإيران لا تريد شيئاً كثيراً: هي فقط تدرك ما لها من وزن استراتيجي في المنطقة تريد أن توظف لجني المكاسب وتحقيق الهيمنة الاستراتيجية. هي تريد السيطرة على المنطقة باختصار، وأن نكون كعرب مجرد هبائات تدور في فلك مشروعها القومي الهيمني تحت شعارات أيديولوجية معلومة. ودعني أقولها لك بصراحة: فالنموذج المطلوب أن نكون على شاكلته في علاقتنا بإيران الإسلامية، ليس ببعيد عن نموذج الحالة العراقية في أحسن الأحوال، خاصة في ظل اختلال التوازن والفراغ الاستراتيجي الهائل الذي تركته التحولات الخطيرات التي اجتاحت المنطقة، وما نتج عنها من ضعف عربي، أتاح ليس لإيران فقط، بل لتركيا و«إسرائيل» أيضا لعب دور مؤثر في المنطقة، وفرض معادلات وواقع جديد. ولسنا هنا في معرض تقديم سرد تاريخي حول ما أقدمت عليه إيران تحديدا خلال العقود الأربعة الماضية، من أفعال أضرت بجيرانها العرب بكافة الوسائل، تحت مظلة تصدير الثورة أو «مناصرة المظلومين»، ولكن يكفي التذكير بأن إيران قد درجت على تخريب بنية الدولة العراقية من أجل تطويعها لصالح أمنها القومي، من خلال استنهاض البنى الطائفية وإحيائها لتعزيز نفوذها. وكذلك التدخل في عدد من الدول العربية الأخرى القريبة والبعيدة، من خلال أذرعها المتعددة في لبنان وسوريا واليمن بوجه خاص، إضافة إلى التعدي المستمر على مملكة البحرين وعلى سيادتها خلال الأعوام الماضية، سواء بالفعل أو بالقول أو التصريح أو التحريض أو التدريب والتمويل للعناصر الإرهابية والتخريبية. وهذا ليس مجرد اتهام لإيران لا يقوم عليه دليل أو حجة، بل هو حقيقة يعكسها استمرار إيران في احتلالها للجزر الإمارتية منذ أكثر من أربعة عقود، واستمرار التدخل المباشر أو غير المباشر، في الشؤون الداخلية للدول العربية. وهو تدخل تترجمه يومياً سياسات ومواقف معلنة وبيانات وتصريحات رسمية، وأفعال على الأرض. ومن المؤسف أن هذه الضوضاء، وهذا التشويش المستمر على حساب المنطقة، بإثارة المخاوف والقلاقل، قد حول ثقل الصراع الذي كان متمحوراً حول الصراع العربي الصهيوني، إلى ما يشبه الصراع العربي - الإيراني، في ظل العدوانية المتواصلة، وفي ظل التدخلات الإيرانية المتكررة، وفي ضوء التبجح الفج بـ«السيطرة على عدد من العواصم العربية» ومحاولة إلحاق الضرر بالأنظمة العربية المستقرة في المنطقة، ومناكفتها والتحريض ضدها، ومحاولة دمج شعوب المنطقة، ضمن دائرة الفوضى الدائمة، وقد أدى هذا الوضع المتراكم إلى توفير السياق السياسي والإعلامي والأمني المناسب لإسرائيل، مما مكَّنها من مواصلة تكريس تعديها على الفلسطينيين، وطمس حقوقهم، بشكل نهائي تقريبا وحشرهم في الزاوية، وتقليص مساحة المناورة أمامهم، وتكريس احتلالها للأراضي، إضافة إلى تحسين صورة الاحتلال «الإسرائيلي» العنصري على الصعيدين الإقليمي والدولي. هذا بالرغم من أن الدعاية السياسية والإعلامية الإيرانية قائمة على ركيزة (المقاومة)، وفي مقدمتها مقاومة إسرائيل، بما يوحي بأن الحرب سوف تقوم قريبا بين إيران وإسرائيل، في حين تكون المواجهة في الواقع مع العرب.

كتب لي الصديق تعقيبًا، موجزه: 

تلك هي اللعبة التي تجري بالفعل على الأرض في أكثر من مكان، مع أن العرب ليسوا بأعداء لإيران وليس لهم أي مصلحة في استعدائها، ولكن للأسف فإن الوضع القائم يؤكد بأن إيران المغترة بقوتها وبشعاراتها-وللأسف يصدقها بعض العرب ويركضون وراءها ويدافعون عنها-بأن إيران لا يهمها غير مصالحها القومية الاستراتيجية، وقد نتج عن تمددها على حساب البلدان العربية إلى أن تحولت إلى قوة احتلال في بعض الأحيان، مبررة تدخلاتها بأنها تتصرف بوعي المقاومة، وبمنطق المقاومة، وضمن حلف المقاومة. إن العرب عامة، وعرب الخليج خاصة، قد عبروا دائماً عن استعدادهم للتعاون مع إيران لتكون جزءاً من منظومة الأمن والتعاون في المنطقة من أجل تعزيز المصالح المشتركة، ولذلك هم لا يريدون لإيران وشعوبها إلا الخير، ولكن رد الفعل الإيراني للأسف الشديد كان دائما هو العكس تماماً. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها