النسخة الورقية
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    3:00PM
  • المغرب
    5:40PM
  • العشاء
    7:10PM

كتاب الايام

الطرب بين الجميري وبلفقيه

رابط مختصر
العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440

الفنان الكبير أحمد الجميري تربطني به علاقة صحبة قوامها الود والاحترام، والإعجاب من جانبي بفنه الغنائي وإبداعه في مزج النغم بالكلم والتعبير عنهما بصوت طروب، صوت له شخصيته المميزة في عالم الغناء. ذات يوم ونحن في أحد المقاهي سلمني كيسًا به كتاب بعنوان «شاعر قبل الطرب» وأسطوانة مدمجة بها بعض الأغاني الوطنية للمطرب الفنان اليمني الكبير أبوبكر سالم بلفقيه، الكتاب والأسطوانة كانتا ضمن مهرجان احتفالي احتفاءً بالفنان الكبير تحت شعار «ليلة في حب أبوأصيل». سلمني هذه العطية لعلمه بأني من المهتمين بالفن الموسيقي وما ينبعث من هذا الفن من غناء وطرب، فقلت في نفسي إنها الفرصة المناسبة التي كنت أرتقبها. كنت أرى أنه من حق مطربنا الكبير الفنان أحمد الجميري، وأنه من الواجب الثقافي، أن أخط عنه كلمة، مع أنه غني عن التعريف، لأسهم في إعطاء الثقافة الفنية حقها برسم لوحة كلامية عن فنان له فضل في الارتقاء بالطرب والموسيقى من قاعدة الإرث والتقليد إلى مستوى الصقل العلمي للموسيقى والغناء. ومادامت كلمتي عن الفنان الجميري لوحة، فهي نابعة من النفس وتلتزم بقواعد النفس مع خيط رفيع من منطق العقل، والنفس لسان الروح في موازاة المنطق الذي هو لسان العقل، وعند الحديث عن الفن فإن ساحة التعبير متروكة للنفس وهي مركز الذوق والتذوق، وهكذا يكون رسم كلماتنا عن الفن وفن الطرب بلسان الروح؛ لأنه الأنقى للتعبير، فنترك التحليل والتفصيل والوصف المقارن بين طرب وطرب لأهل العلم في ساحة الغناء والموسيقى، فتلك ساحة رغم أهميتها العلمية والثقافية إلا أنها جافة، سيدها العقل وتعرجاته الجدلية والمعرفية، فعندما يصغي المتذوق إصغاءً صامتًا تامًا للطرب فإنه يعيش حالة من التأمل الطروب يتخطى مجرد السمع العجول، وما كل طرب يفرض مقام فنه للإصغاء، إلا ما كان يرقى إلى مستوى الفن الرفيع الذي يشد إليه صاحب الذوق الراقي إلى الإصغاء والتأمل وتذوق الطعم الروحاني لفن الطرب.. عطية الفنان الصديق أوحت إليّ أن أرسم لوحة للكلمة تجمع فنان البحرين بفنان اليمن.

فن الطرب بين دفتي الجزيرة العربية، البحرين واليمن، امتداد ثقافي فني من وسط الشرق في الخليج العربي ميلاً إلى جنوب الغرب على ضفاف بحر العرب، فن الطرب صوته في البحرين وصداه في اليمن، وصوت في اليمن وصدى في البحرين، وصوت الطرب وصداه يعمان أسماع العرب من الخليج إلي المحيط. وليس لهذا الفن تاريخ تحدده أرقام الزمن، فالفن مثل صاحبه الإنسان، ليس لهما تاريخ؛ لأن الفن ولد مع ولادة الإنسان، وما كان للإنسان أن يحيا وتستديم الى اليوم حياته لولا الفن؛ لأن الفن غذاء للروح. 

ابن الجميري نغم في الطرب فهو فقيه في علوم النغم وأكاديمي في التأليف الموسيقي، وابن بلفقيه شعر في الطرب فهو ضليع في أدب الشعر، والطربُ روحُ عصفور تغرّد من حناجرهما، هذا عصفور يغرّد بروح النغم، وأخوه في الطرب عصفور يغرّد بروح الشعر، فما عساني أن أكتب عنهما، وهما في فن الطرب قامتان وفي الحب جمع الجماهير لهما وحولهما.. لقد خلقا من الطرب جسرًا يربط أرض دلمون بأرض سبأ، ومن هذا الجسر امتدت جسور تشبك رقع العرب بالعرب ودولة بدولة، شعب في أقصى الشرق خليجيًا وشعب في أقصى الغرب أطلسيًا، وبينهما أخوة العُرب تتغنى وتتمايل من أثر الطرب نشوى بغريد البحرين وغريد اليمن.. هذا يغني لذاك، وذاك يغني لهذا، وكلاهما يغني لأخوة الفن والنغم والطرب في أصقاع بلاد العرب، فاللسان واحد من الخليج الى المحيط.. وقد أنعمت الطبيعة على ابن بلفقيه حنجرة لها بصمتها المتميزة، فهذه الحنجرة قادرة أن تنغّم الكلمة المفردة فتهتز الكلمة وهي تخرج من فيه، وهذه ملكة صوتية لا يملكها سوى القليل من المطربين، ويبدو أن هذه الملكة تبلورت مع الزمن في ظل تراث غنائي يمني أصيل، وقد ظهرت هذه الأصالة الصوتية، وهي تهز الكلمة وتنغمها، بشكل جلي والتزام دقيق في الأغنية التراثية الصنعانية «وا مغرد بوادي الدور»، والشعر يماني قديم للشاعر القاضي علي بن محمد بن أحمد العنسي المتوفى عام 1726، والقصيدة في ديوانه المسمى «وادي الدور» نسبة إلى وادي الدور الذي ينحدر من جبال اليمن الغربية الواقعة قرب مدينة العدين الى منخفضات تهامة. معظم المطربين اليمنيين غنّوا هذه القصيدة، إلا أن أداء بلفقيه كان هو الأداء المميز بقوة الصوت وملكته الخاصة وملاءمة النغم مع الكلم، وكذلك أبدع في غنائها المطرب السعودي الكبير محمد عبده، الذي أعطى القصيدة حقها من الصوت والنغم.

والجميري الذي يُرقّص كلمات الشعر بأنغام الوتر وجوقة الأوركسترا وكيمياء الموسيقى ومقامات الغناء، أغانيه تملأ أسماع العرب أينما استوطنوا وأينما حطت بهم رحال التنقل والتجوال، وهو قادر مقتدر في ساحة إبداعه، ويتجول بين الفنانين الكبار أمثاله في العالم العربي، فهو يغني لعبدالوهاب «مضناك جفاه مرقده» فيضفي على الأغنية نكهة الصوت الخليجي، ومع الموسيقار الكبير عبدالوهاب في لقاء نادر بينهما، التقى الفن بالفن، واجتمع «النهر الخالد» مع «خضر نشلچ»، ودار حديث بين موسيقار البحرين وموسيقار مصر.. الجميري له أغانٍ كثيرة ولكل أغنية شخصيتها الخاصة التي ترتكز على رسم الكلمة وروح النغم، ولكل فنان، رغم غزارة إنتاجه الفني، عمل تكون له نكهة مميزة، وهذه النكهة المميزة في أغاني الجميري يتحسّسها كل بحريني في أغنية «خضر نشلچ...»، وهي من تأليف الشاعر الشعبي عبدالرحمن رفيع، والذي يرسم فيها امتداد الماضي إلى الحاضر في ثوب النشل والحنة التي كانت ومازالت تزيّن بها المرأة البحرينية كفيها ورجليها، ومدينة المحرق وحر الصيف، فهي كلها من الثوابت في حياة البحريني وفي الثقافة الشعبية، من إرث الماضي إلى نبض الحاضر. إن ملكته الصوتية جعلته محط أنظار كبار الشعراء في البحرين، فقد غنى للشيخ الشاعر عيسى بن راشد وحسن كمال وعلي عبدالله خليفة وعبدالرحمن رفيع وغيرهم، فهو النغم الذي أوصل الشعر من قريحة الشعراء إلى لهفة السمع عند الجماهير.

الجميري فنان أصيل، وهذه الأصالة تربطه بأصل الطرب في وطنه البحرين وفي الخليج، فقد رأى ضرورة النظر إلى فن الصوت البحريني، هذا الصوت الذي تغنى بفنه فنانون كبار أمثال محمد زويد ومحمد فارس، إلا أن هؤلاء كانوا يغنون بالفطرة، تلك الفطرة التي كانت تفتقر إلى ضوابط اللغة وأصول الموسيقى والالتزام بمقامات الغناء، فحمل الجميري مهمة تقويم ما اختلّ من فن الصوت من حيث ضبط اللغة ووضوحها على السمع ومراجعة البناء الموسيقي وتحسينه وتطويره والالتزام بالمقامات الغنائية بحيث يكون المنتج الفني كاملاً متكاملاً دون عوج ولا نشاز ولا خلل، فنقل فن الصوت من رقعة الإرث والتقليد إلى فضاء علم الموسيقى.

وذات صباح ومجلس في مقهى يجمعنا، وجمع من الأصحاب حولنا، استفردت الجلوس معه فأتحفني بصوته الخليجي الأصيل وهو يغني «يا منية النفس» لعبدالوهاب، غناها دون موسيقى، وصمت الموسيقى كان شاهدًا على الكمال بجمال الصوت وبروعة الأداء، فمن غنى دون موسيقى، وأطرب السامع إصغاءً وتأملاً، فسيدفع الإعجاب بالسامع أن يشير إليه بالبنان قائلاً: «يا أصالةَ الصوت، ها هُوَ ذا هنا.. إنه الفارسُ في ساحة الغنا...».

الطرب فن، والفن إبداع، والإبداع خلق، وحتى لا ننزلق إلى المحظور، نؤكد أنه خلق بشري محسوس وليس بخلق غيبي يتخطى محدودية الإحساس وحتى العقل.. وهذا الخلق المحسوس يستحق التقدير والتكريم، فقد كرّمت الدول والمؤسسات الثقافية والعلمية والمدنية، وحتى الملوك والأمراء والرؤساء، أهل الفن بمختلف أشكال التكريم، وقيل في بعضهم الشعر من فطاحل الشعراء، وهذا ما حصل واستحقه كل من سيد الطرب في البحرين وسيد الطرب في اليمن، فكلاهما منازل في التكريم، ويبقى، رغم أهمية هذا التكريم ورمزيته، تكريم الجماهير للفنان، فهذا التكريم الجماهيري هو الفصل في روح التكريم، فلا روح في تكريم ليست الجماهير دعامتها. فالجميري وبلفقيه محمولان على أكف الجماهير، ويعيشان في نفوس الجماهير، وهذا هو التكريم النقي الأصيل.

وتاج تيجان التكريم للفن جاء من أعلى الهرم في البحرين، من صاحب الجلالة الملك المعظم الحريص على رعاية الفن والآداب والإبداع في فضاء الثقافة البحرينية والتي هي نبع الثقافة في الخليج العربي، ففي عام 2001 تم تكريم الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقيه من حكومة البحرين ومن جلالة الملك شخصًا بوسام درجة أولى في الفنون والآداب، وقد استحق فنان البحرين الكبير أحمد الجميري وسام الكفاءة من الدرجة الأولى في احتفالية «يوم الوفاء» عام 2002، والذي منح فيها جلالته شخصيًا مبدعي البحرين والرياضيين أوسمة التكريم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها