النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

مائة عام على تاريخ البلديات في البحرين 4/‏2

رابط مختصر
العدد 10998 الاثنين 20 مايو 2019 الموافق 15 رمضان 1440

نستكمل في هذه الحلقة ما جاء في بنود القانون العام للبلدية عام 1921 لما فيها من طرافة وجوانب تضئ جوانب تلك المرحلة بما فيها من بساطة الحياة، ونكتشف بشكل غير مباشر من خلال النص اطباع وسلوكيات الناس يوم ذاك، حيث جاء: «لا يسمح بركوب الدواب في مناطق المنامة التي قد يتسبب ركوب الدواب فيها باصابة للاخرين».

يجعلنا النص في حالة تخيل حجم الحمير القادمة من خارج المنامة لمركز السوق وما حوله في مدينة المنامة، وكم كانت تتسبب من اعاقات واصابات. الهذا الحد كانت الطرق مزدحمة بالحمير؟، حيث جميعنا يعرف ان الناس لم تكن تملك لا الجمال ولا الخيول بشكل مثير للتساؤل، لذا المعنى بكلمة الدواب هنا هم الحمير لا غير، فهي وحدها من كانت تستعمل للركوب ولمهمات اخرى. ولهذا كانت صور الماضي كثيرة في المنامة تتحرك فيها الحمير بلا راكب تحاشيا للعقاب، مفضلا ان يكون راجلا بجوار دابته. واهتمت البلدية زمان بدرجة معينة من النظافة فالقانون يلزمك بتنظيف بلاعات المنازل كل 6 شهور، كما ان اصحاب الدكاكين المحافظة على نظافة الشارع أمام محلاتهم «وكنا ونحن صغارا في الخمسينات نشاهد هذا السلوك ولم نكن نعرف مصدره، حيث كنا نعتقد ان ترطيب التراب امام الدكاكين لاغراض معينة في صيف البحرين، غير انها كانت جزءا من عادات فرضها قانون البلديات.

رش واجهة الدكان او المحل كانت عادة طبيعية تجد فيها شخص لديه سطل ماء وبيده يرش على الارض تلك الكمية من الماء لترطيب التراب. لم يكن الناس يعرفون عادة» استعمال هوز الماي «بل لم تكن لديه حنفية في المحل. اختفت عادات كثيرة ولدت خلال عقود وتلاشت مع الوقت. هناك ايضا اشارة في القانون العام للبلدية تعكس كم كانت المدينة ملوثة حيث لا يسمح بالتبول أو التغوط (والتي ترجمت إخراج الغائط) في الشوارع الجانبية أو المحلات المهجورة». فتذكرنا البحرين وحالتها المجتمعية وتلك المواد بزمن عبارة كلمة «الخرابة» والتي ترجمت المهجورة، تلك البيوت والامكنة، كانت ملاذا ليليا وحتى في النهار للعب القمار واستعمالات اخرى فاحشة، ولكثرتها تلك الخرائب في كل حي، صارت بعض بيوت الجيران تعتقد انها امكنة تعيش فيها الجان، فبتنا نحن الاطفال نخافها ليلا رغم انها في النهار مجرد احجار طينية متساقطة.

لن يسمع الجيل الجديد اليوم عبارة «خرابة» ولن يجد مساحات من الارض لتلك الشياطين الليلية. ويجعلنا قانون البلديات نلمس ان هناك حالات من الممنوعات والتهريب بدأت تتغلغل للمدينة فتم صياغة مادة ما يلي: «يمنع منعا باتا استيراد المشروبات الروحية والمخدرات. وكل مخالف سوف يغرم او يسجن الخ» وطبعا الاستيراد هنا معني به الناس المسافرين وتلك السلع المهربة جمركيا، ويومها كانت حركة السفر بين ايران والهند مرتعا لتلك الممنوعات.

وبسبب الفقر والحاجة كان للناس سلوكيات منطقية لهذا اشارت المادة المتعلقة «بالحيوانات السائبة!!» عن انه سيعاقب كل من يحتجز هذه الحيوانات في منزله من اجل الحصول على مكافأة من الفاقد!! لهذا كنا نلمس نحن في جيلنا عادة الشخص «المصّوت» الذي يطوف الاحياء مناديا عن من وجد ذاك المفقود او سالفة من «ضايع له دجاجة!» تلك الحكايات الفعلية والرمزية كانت تعكس قيم تلك المرحلة والتي افرزتها ثم انتفت مع ظروف مستجدة اخرى تحرك فيها المجتمع اكثر نحو الحداثة فالعشرينات والثلاثينات لم تكن بنفس الحالة المزرية للسنوات التي سبقتها كما ان الخمسينات والستينات كانت تعتبر سنوات رفاهية بالقياس النسبي، فبات شغل البلديات اوسع مدى واكثر خبرة وتنوعا في المجتمع البحريني، وتحولت تلك المبنى في قلب سوق المنامة معلما تاريخيا.

ربما مع منتصف الستينات او قبلها بدأت ظاهرة «نواطير الفرجان» تتلاشى واصبح الفانوس او المصباح الكهربائي المعلق في زاوية الزقاق بمثابة عين الليل على تلك البيوت الشعبية الفقيرة في الحورة والاحياء الاخرى، عندها لم نعد نجد في عتمة الليل يتجول ناطور الفريج وهو يرتدي في عز الشتاء البالطو الكاكي والاخضر الغامق، وهو يغطي وجهه بالغترة الحمراء معلقا على كتفه «الريفل»البندقية، وبين فينة واخرى يصرخ حسب بدعته، فبوخليل في الحورة في النهار لديه وزوجته ثمة ابقار يعيش منها وفي الليل يتحول الى «ناطور الفريج» يطوف في مساحة محددة له في نطاق الحي الجغرافي، ومع بزوغ الفجر ودبيب الناس في الازقة للصلاة والخباز يختفي فجأة بوخليل من الطرقات، ويختفي صوته ونبراته التاريخية وهو يزعق في الظلام: «حول.. اشوفك تنط» وبتلك الجمل الوهمية قد يكون هناك لص يتسلل فعلا لبيت من البيوت فيعتقد ان الناطور لاحظه!!.

هذا الابداع من بوخليل وغيره من النواطير كانت تعبيرا لطيفا عن ثقافة تلك المهن وناسها، وطرافة الناس في تحويلها في النهار الى حكايات مسلية. رحل بوخيل رحمه الله وما رحلت قصصه معنا، ولا ذلك الشارب الاسطوري المميز. شارب الناطور المهيب المناسب لحياة الليل واللصوص.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها