النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

رسالتنا لترامب: من صنع الخميني لن يحارب إيران

رابط مختصر
العدد 10996 السبت 18 مايو 2019 الموافق 13 رمضان 1440

احتلت تداعيات الأزمة الإيرانية - الأمريكية واحتمال اندلاع حرب إقليمية بالمنطقة موقع الصدارة في القضايا الدولية الساخنة خلال الأسبوع الماضي، ولم تهدأ الأمور بين الطرفين، فكل جانب يدخر من الامكانات والتصريحات الكثير، فالأمريكيون أرسلوا بوارجهم وناقلات طائراتهم الضخمة الى المنطقة ناهيك عن القاذفات العملاقة «ب 52» وغيرها من الأسلحة الذكية لدك المواقع الإيرانية وتلقين «ملالي قم» درسا لا ينسى في فن إدارة الحروب، ومن ينتصر فيها؟ وهل يكون النصر لمصلحة القوى العظمى وأقوى اقتصاد في العالم والدولة التي ترهب الجميع وتتوعد وتهدد الجميع بضرورة الإذعان لأوامرها، أم إيران باعتبارها قوة إقليمية وترى في نفسها قوة جبارة عصية على الهزيمة حتى لو كان الطرف الآخر هو الجيش الأمريكي بكل ما يملك من عتاد عسكري ناهيك عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لم نعرف عنه حتى الآن أنه تعرض لهزيمة أو خسر أي صفقة أعلن دخوله فيها؟ فترامب ينتصر في جميع حروبه الداخلية مع خصومه الأمريكيين، والنصر حليفه أيضا في أي معارك خارجية، ويكفيه افتخارا أنه أول رئيس أمريكي استطاع ترويض زعيم كوريا الشمالية وجعله يخضع له ويجلس معه على مائدة واحدة، حتى وإن لم تسفر اللقاءات عن شيء يذكر حتى الآن، ولكن يكفي ترامب أنه تباحث مع الزعيم الكوري وجها لوجه وليس من وراء حجاب أو عن طريق رسائل ومبعوثين وخلافه.

اعتقد أن هذه المقدمة ضرورة لوصف الأجواء المشحونة التي تعيشها منطقة الخليج في الوقت الراهن، والتي لم نعشها ربما منذ الاحتلال العراقي للكويت وما أعقبه من حملة دولية لإجبارالجيش العراقي على الانسحاب، الأمر الذي أدى الى تدميره بالكامل ثم احتلال الجيش الأمريكي للعراق والإطاحة بالرئيس صدام حسين وتسليم العراق على طبق من فضة لإيران.. ومن هنا أبدأ الحديث، فإيران بكل قوتها لم تستطع التدخل في العراق سوى باتفاق ضمني مع الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر الذي سمح للعراقيين الشيعة الذين استضافتهم إيران لفترات طويلة أيام حكم صدام حسين، لحكم العراق خلال فترة الاحتلال، وبالتالي رد هؤلاء الجميل للدولة التي استضافتهم ورحبت بهم وصرفت عليهم وقت لجوئهم لها هربا من بطش صدام بهم.. فكان أول ما فعلوه هو تسليم بلادهم قلبا وقالبا، سياسة واقتصادا وجيشا لمضيفهم الإيراني.

الأمر كذلك في سوريا، فالتمدد الإيراني في سوريا لم يكن وليد الساعة، ولكن للغياب الأمريكي عن الساحة السورية منذ بدء الأزمة هناك في مارس 2011، إذ رفض الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما التدخل العسكري وترك المجال لإيران لتدخل بجيشها وحرسها الثوري وأموالها لتحتكر جزءا كبيرا من إدارة الملف السوري حتى شاركتها مؤخرا روسيا وتركيا، الأمر الذي يؤكد أيضا أن تملك إيران من الملف السوري يعود للغياب الأمريكي، بمعنى أن الإدارة الأمريكية هي التي سلمت سوريا على طبق من فضة لإيران.

وإذا عدنا لوثائق وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي إيه) الجديدة التي أسقطت عنها درجة السرية مؤخرا، نكتشف أن إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر هي التي مهدت الطريق للخميني للعودة الى إيران والإطاحة بالشاه، فواشنطن أبدت مرونة عبر مفاوضات مباشرة مع الخميني قبل عودته بأيام الى طهران عودة «المنتصر الجبار»، تجاه الدستور ومشروع نظام الحكم (ولاية الفقيه) الذي كان يخطط له الخميني. ووفقا لتلك الوثائق، فإن الخميني طلب من إدارة كارتر التدخل لإسقاط حكومة شابور بختيار واستسلام الجيش قبل أربعة أيام من مغادرته باريس الى طهران. وتخلص تلك الوثائق المهمة -التي أرى أنه على كل مواطن خليجي أن يطلع عليها ليدرك حقيقة المواقف الأمريكية وكيف تلعب واشنطن بمقدرات المنطقة- الى أن إعداد العرش للخميني كان طبخة أمريكية وفرنسية، وأن خبراء الإدارة الأمريكية اعتبروا قيام نظام حكم قائم على ثنائية (الملالي والعسكر) هي الوصفة المناسبة لنظام الحكم الجديد في إيران.

ولنتذكر سويا أن الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته طهران مجموعة (5+1) في لوزان عام 2015 كان برعاية أمريكية مباشرة وبإيعاز مباشر من الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي اعتبره نصرا له في إدارة الملف الإيراني، ليأتي خلفه دونالد ترامب وينقلب على هذا الاتفاق وينسحب منه ثم يصعد العقوبات ضد إيران حتى مرحلة تصفير صادراتها النفطية. ومن هنا نتحدث عن حملة تسخين الأجواء في المنطقة وليس إشعالها، فالتسخين مرحلة أولية وليست نهائية، فهي هدفا في حد ذاتها ويعتبرها ترامب ضمن صفقاته التي يلعب بها مع خصومه، فهو يفضل استخدام هذا التعبير وإن جاء في مواقف مختلفة. فترامب نفسه الذي يتوعد ويهدد إيران وأرسل قواته وبوارجه للمنطقة تحسبا لأي رد فعل إيراني ضد الأهداف الأمريكية في المنطقة، هو الذي دعا القادة الإيرانيين الى الاتصال به موضحا أن المسؤولين السويسريين يعرفون رقم هاتفه، هذا في حال رغبت إيران في التفاوض، وهنا يكشف ترامب رغبته في التحاور والحوار. كما أبدى ترامب مرونة كبيرة في التفاوض وترغيب الإيرانيين في الحديث معه عبر هاتفه، فهو تعهد بمساعدة إيران اقتصاديا لتحتل مكانتها في المنطقة، بشرط التخلي عن مشروعها النووي وعدم حصولها على السلاح النووي. وبالتزامن مع هذا الوعد لم يتوانَ الرئيس الأمريكي طبعا في إرسال حاملة الطائرات إبراهم لنكولن الى الخليج والقاذفات العملاقة.

فصفقة ترامب الحالية مع إيران ليست وعيدًا فقط، وإنما خليط من التهديد والملاطفة، وبينما يريد في المقام الأول ضمان أمن إسرائيل وهو ما أعلنه مستشاروه الأسبوع الماضي عن الهدف من صفقة القرن مع الفلسطينيين وهو تأمين أمن إسرائيل ضد أي تهديدات مستقبلية، كذلك الحال هو هدف التصعيد الحالي مع إيران رغم مكاسب إسرائيل التي حصلت عليها من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب القوات الإيرانية في سوريا الى مسافة 80 كيلومترا من الحدود الإسرائيلية، وكذلك منحها الحق بضرب بعض المواقع الإيرانية هناك.

 وما بين سياسة «الترغيب والترهيب»، يريد ترامب تحقيق ما يريد من أهداف من دون شن حرب وتحمّل تكلفتها الباهظة ماليا ومعنويا وبشريا، فالأمريكيون ليسوا في حاجة الى توابيت جديدة تصلهم كل يوم على متن إحدى الطائرات، وكفاهم حروبهم القديمة في فيتنام والحديثة في الصومال وأفغانستان والعراق، فكل بيت أمريكي لا يريد الحرب مهما كان هدفها، خاصة وأن هدفها الحالي ليس أمريكيا خالصا. ويتذكر الأمريكيون كيف أسقطوا رئيسهم جورج بوش الأب ولم يمنحوه أصواتهم لتولي ولاية رئاسية ثانية في حين هو الذي أعاد لهم ثقتهم بأنفسهم وفي جيشهم بعد خسائرهم الضخمة من جراء حرب فيتنام، بمعنى أن الناخب الأمريكي لا يهمه من انتصر في حرب بقدر اهتمامه بأحواله الاقتصادية والرعاية الصحية والخدمات التعليمية وتقليل الضرائب وتوفير فرص عمل، ولهذا نجح خصمه الشاب بيل كلينتون عبر حملته «الاقتصاد ياغبي».

 لا نريد سرد قوة وقدرات كل طرف عسكريا، ولكن المهم أن أي سيناريو بحرب في المنطقة سواء محدودة أو ضخمة هو سيناريو مستبعد، خاصة أن أمام إيران مجموعة كبيرة من الأهداف الأمريكية في مرمى سلاحها وقريبة من يديها كما يقولون، وكذلك لدى أمريكا وإسرائيل بنك ضخم من الأهداف الإيرانية المتاحة والمعروفة سلفا. ولهذا هرع وزير الخارجية الأمريكي جورج بومبيو الى العراق ليحذر قادتها من الانخراط في أي عمل قد يضر بأي هدف أمريكي هناك أو القوات الأمريكية العاملة في العراق. ولكن هذا لا يمنع من أن المشهد برمته صعب وشديد التعقيد لدرجة أن ترامب نفسه صرح بأنه لا يريد الانخراط في حرب مع إيران، ويبدو أنه رضخ لرأي قادته العسكريين بصعوبة تلك المواجهة العسكرية وغيومها المؤلمة على الولايات المتحدة وخشية مخاطرها الكارثية، وبالتالي تتأكد الفرضية القائلة إن إرسال البوارج الأمريكية لمياه الخليج يأتي بهدف الردع وليس لأغراض هجومية، وبهذا تنجو المنطقة كلها من شر القتال والنزاع، وليستمرالرئيس الأمريكي في حربه الاقتصادية وهي الأجدى حتى يومنا هذا مع إيران التي اعترفت بصعوبة أوضاعها الاقتصادية.. والحال لم يختلف على الجانب الإيراني عندما استبعد المرشد الاعلى علي خامنئي اندلاع مواجهة عسكرية ضد أمريكا قائلا: «لا نحن ولا هم يسعون الى حرب».

 وثمة كلمة أخيرة في هذا الصدد، فكلنا يعلم أن أي حرب أمريكية بالمنطقة أو حتى «قرصة ودان» لإيران تعني استنزافا لما لم يتم استنزافه بعد من الاقتصاد الخليجي، وأننا لسنا بحاجة الى أي حرب أو دعم من يدق طبولها أيا كانت أطرافها، ونحن لسنا بحاجة أيضا الى توتير الأوضاع وإشعالها بالحديث المتكرر عن الحرب، لأنه ثمة اتفاقا سريا بين واشنطن وطهران على استنزاف مواردنا وإهلاكنا في الحروب الكلامية بينهما، والأهم علينا ألا ننسى أن العرب هم الذين صنعوا التاريخ، وبالتالي يجب علينا أن نظل أقوياء حتى يتذكرنا التاريخ بقوتنا وليس بضعفنا، ومشكلتنا أننا أحيانا نرهن مواقفنا بمواقف الآخرين، وهذا في حد ذاته ضعف وليس قوة.

 

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها