النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

ولله في خلقه شؤون: صباح جديد نفيق فيه ونحن أحرار..

رابط مختصر
العدد 10993 الأربعاء 15 مايو 2019 الموافق 10 رمضان 1440

 قال الصديق معقبا على المقالة السابقة حول (انعدام الحس الإنساني)، وخاصة ما يتعلق بموضوع الحب في علاقته بالموت:

- اسمح لي بإضافة بسيطة في الجزء الأخير من المقال، والذي تعلق بدوائر الاهتمام عند الإنسان، لأضيف الى المعادلة التي تحدثت فيها عن علاقة الحب بالموت، عنصرا ثالثا وهو الولادة (أو الحياة) إلى جانب الحب والموت. حتى تشكل هذه العناصر الثلاثة معادلة مثلثة الأضلاع. ولا أقصد هنا الولادة بمعناها الفيزيولوجي، فتلك واضحة، بل أقصد الولادة كنقيض للموت في سيرورة الإنسان ورؤيته. فلا حياة من دون ولادة. وقد ظل سرها مبحثا مستمرا عبر الأزمنة، وقد مجد الإنسان «الحب الجنسي» من أجل تواصل النوع البشري بالدرجة الأولى، كفعل غريزي اجتماعي. أي من أجل تواصل الحياة عبر التكاثر. ولذلك أرى أن الترابط وثيق بين الحب والحياة، أكثر من الارتباط بين الحب والموت بعكس ما ذهبت إليه في مقالتك. بيد أن الحب أصناف متعددة: فهنالك حب الأشياء وحب الأفكار وحب الناس، وحب الحيوان وحب الطبيعة وغير ذلك من الجوانب اللصيقة بحياة الانسان. ولذلك فإنني أعتقد بأن دوائر الاهتمام (الولادة والحب والموت) مترابطة وإن بدأ الموت أعلاها عند البعض، وبفعله مثلت الأديان العمود الفقري لكل الحضارات.

قلت للصديق موضحا: 

الحقيقة أنني لم أكن أحسب أن هذا الموضوع سوف يثير مثل هذا الاهتمام، بالرغم من أن موضوع الحب قد شغل الإنسان منذ أقدم الأزمنة، مما جعل منه أمرا كونيا، حتى كاد أن يكون جوابا عن أهم معضلات الحياة. كما كان أحيانا أمرا مفجعا وكارثيا في خضم عالم تسوده ثقافة الكراهية والعنف. ولذلك فالحب تتشابك فيه حيوات البشر في جميع الأزمنة والجغرافيات، ويمكن له وحده أن يكون ترياقا للقلوب الموجوعة في هذا العالم الغارق في البؤس. نعم فالحب هو أكثر تجارب الحياة مساسا بإنسانية الإنسان تماما مثل الوجود والعدم، فالحب انتصار للحياة والموت والولادة معا. وعندما يكون الحب قويا فإنه يتصف بعمق يمكن أن يصل إلى اللانهائية. أما الموت، فقد يكون انتصارا للحب والتضحية بالذات، والإنسان يشق عليه أن يواجه سر الموت، ولكنه يدرك في نهاية الأمر أن الموت ينطوي على سر فريد هو الحب النابع في الحياة الأبدية، مثلما يقول بعض الفلاسفة. ولابد من أن نفقد الحياة لكي نظفر بها ظفرا كاملا، ولذلك فالحب والموت لا ينفصلان، كما أن الحب والولادة (أي الحياة) لا ينفصلان، فمن دون ولادة لا حياة ولا حب ولا كراهية ولا موت، غير أن الحب أقوى من الموت، ولهذا يستمر في الموت الاتصال الروحي بهؤلاء الذين نحبهم حتى بعد رحيلهم عنا، بل إنه يزداد توثقا. فالموت هو لحظة التنوير العظمى، وذلك لأن الإنسان يتحرر في الموت من ملامحه الفظة القبيحة ومن قسوته وشراسته. لكن لا شيء يمكن أن ينقذ العالم اليوم من حالة الغربة والتوحش غير الله.

قال الصديق متسائلا:

بعيدا عن هذه المعالجة التي تبدو أقرب إلى التفلسف منها إلى أي أمر آخر، يبقى السؤال هو: لِمَ ينتهي الحب بداخلنا رغم كل هذه الهالة العظمى التي نمحها له فنتغنى به؟ وعندما يحدث ذلك ماذا يبقى لنا في ظل الخواء الذي يصيبنا؟ 

قلت:

في غمرة الحزن والضيق يمكن أن نتناسى انه، وبعد موت حب ما، هنالك دائما فسحة جديدة من الأمل، فسحة لحب جديد، ولأمل جديد، ولحياة جديدة تنتظرنا. ولم نكن لنراها لحظة خيبة الأمل والوجع. هنالك دوما صباح جديد، نفيق فيه ونحن أحرار، لا ننظر خلفنا إلا للذكرى، ونبدأ نستعيد حريتنا التي فقدناها في سكرة الحب! 

قال الصديق:

هنالك افتراض نظري بأن بين الحب والزواج ارتباطا شرطيا، بل إن الاعتقاد السائد بين الغالبية العظمى من الجمهور هو انه لا يمكن أن يكون الحب إلا كمقدمة للزواج، ولا يمكن لـ«الزواج» إلا أن يتم على أساس من الحب، والذي بدونه لا معنى للزواج أصلا؟؟

قلت:

مع ان العلاقة بين المرأة والرجل في الأصل هي علاقة بيولوجية اجتماعية، فإن الحب يفترض أن يكون الصمغ الذي يؤسس ويضمن استمرار هذه العلاقة من الورد والشوق والسلام. ولكن الحقيقة التي تؤكدها الدراسات ويعزز وجودها الواقع المشاهد بالعيان أن العديد من البيوت المفتوحة تخلو أو تكاد من الحب، حتى وان كانت في البدء قد بنيت على ما يعتقد انه حب. فالبيوت قد تفتح في الكثير من الأحيان على أسس اجتماعية - اقتصادية - وبيولوجية وحتى عائلية، بالدرجة الأولى، وتستمر مفتوحة إلى نهاية العمر أحيانا، من دون أن يكون من بين مكوناتها وأسسها الحب والشغف المتبادلين. ولذلك يكون استمرارها شكليا مظهريا، كمجرد واجهة اجتماعية. فالزواج يكاد يتحول بذلك إلى مجرد مؤسسة اجتماعية - اقتصادية، فالإنسان – مثلما يقال - يقضي نصف عمره يحلم بالزواج ويقضي النصف الآخر في الشكوى منه، ولكنه يقضي عمره كاملا يبحث عن الحب الحقيقي، والذي قد يجده وقد لا يجده مطلقا، حتى وان تزوج أكثر من مرة. فالبشر بطبائعهم الإنسانية المتقلبة، وبأوضاعهم الاجتماعية المتبدلة، يتغيرون كل يوم، وقد يسعدون بالتغير في المجالات المعيشية اليومية، ولكنهم يتحملونه بصعوبة بالغة في مجال العواطف والمشاعر، ولكن الهروب من مواجهة هذه الحالة لا يستمر طويلا، إذ تنشأ حالة من البرود قاسية، خاصة عندما يكون الواحد مضطرا للإبقاء على العلاقة كمجرد تعبير اجتماعي مظهري أمام الناس، أو كتعبير عن نوع من الالتزام العائلي أو الأخلاقي أو الديني، ويكون الحب قد مات وانتهى، ولذلك تنشأ حالة نفسية مريرة قد تفقد بعضا من الناس صوابهم، وقد تنتهي بالانتحار النفسي أو الفعلي.

قال الصديق خاتما هذه المطارحة:

في الخلاصة من المهم الاعتراف أن الحب يرقق روح الإنسان ويجعل إحساسه الإنساني مرهفا وناعما ليس فقط أمام من يحب، بل حتى في إحساسه الإنساني عامة يصبح رقيقا، فكل ما في الطبيعة يصبح رقيقا وكأن إحساس الحب يملأ عينيه، فلا يرى في الوجود إلا كل جميل وجذاب وحالم. ولأن الحب حالة كيميائية كما يقول العلماء، فقابليته للتحول واردة في كل لحظة، وإحساس الحب قد يتحول إلى لا مبالاة أو حتى إلى كراهية. ولله في خلقه شؤون!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها