النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11201 الإثنين 9 ديسمبر 2019 الموافق 12 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:49AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

فهد العسكر حامل شعلة التنوير

رابط مختصر
العدد 10992 الثلاثاء 14 مايو 2019 الموافق 9 رمضان 1440

فهد العسكر الشاعر المفكر الذي كان يحمل أثقال الهموم، هموم مجتمعه، ليس الوحيد الذي حمل شعلة الفكر وسار في قافلة الفكر الحر والتنوير؛ إن شخصية بمعيار ابن العسكر وعلى شاكلته، وما يحمل من رسالة وجدانية تستهدف السير بالإنسان إلى الإمام، لا يمكن التحدث عنها بمعزل عمن سبقوه، ممن كانوا يحملون شعلة التنوير وأولئك الذين تناقلوا الشعلة من يد الذين سبقوهم. 

فسطور التاريخ تعج بأمثاله منذ أن وعى الانسان وعرف نفسه؛ فمعرفة الانسان لنفسه هي نقطة الانطلاق إلى الأمام، فقد قالها الفيلسوف الحكيم سقراط (اعرف نفسك)؛ معرفة النفس حق المعرفة صدقاً وأمانةً، لا تزييف النفس وتضخيمها من أجل غاية في نَفْس مريضة، تستر مرضها وعجزها بالتطاول على الغير والترفع عليهم، ورسم صورة للذات بما ليس من حق الذات وليس في الذات، فمن تراءت نفسه لنفسه ليس كمن عرف نفسه، وشتان بينهما، بين من عرف نفسه ومن صور للناس نفسه.. وشعلة التنوير مثل الشعلة الاولومبية، تنتقل من يد الى يد حتى تبلغ مبتغاها، والمبتغى هو الفضيلة التي كانت رسالة سقراط، والذي من أجلها دفع حياته ثمناً لها، فكل حملة شعلة التنوير (الفضيلة) يدفعون ثمن ما يحملون حتى تنقشع ظلمة الجهل وتتكسر قيود التجهيل وتعلو الفضيلة، والفضيلة هي ابنة العقل في كامل صفائه وهو يتنفس هواء الحرية.

من اثينا (سقراط) مروراً ببغداد (الحلاج) وروما الفاتيكان، حيث الشرع قد قضى بحرق العلماء والمفكرين إلى الخليج العربي بركنه الكويتي (ابن العسكر)، وفي كل ركن وزاوية على سطح الكرة الأرضية وقافلة الفكر الحر في مسيرة متواصلة لا تعرف ولا تنوي ولا ترغب في التوقف بالمطلق، ومع هذه المسيرة المباركة الخيرة تعمل قوى التقليد الجامد والإرث المظلم أن توقف حركته وتشل من قدرته وتشوه رسالته وتكسر كلماته، وهذا الدرب ليس إلا درباً من دروب كثيرة تتكاثر مع مرور الزمن على كل بقعة وزاوية من الارض (البيت الوحيد للإنسان)، وتزداد قوة وعنفواناً بالرغم من أحجار العرقلة التي تلقيها قوى الجهل والانتهازية والنفاق أمام مسيرة قافلة الفكر، ولكن هذه القافلة لا تعرف التراجع ولا التوقف، بل هي ماضية إلى الأمام رغم نباح الكلاب ورغم الترهيب ورغم سحقٍ لبعضٍ من جِمال القافلة، ولكن القافلة تنتقل شعلتها من يد إلى يد وتتابع مسيرتها بصبر وإصرار إلى الأمام.

ولابن الحلاج صفحة مفصلة له في تاريخ الضمير، فقد كان الحلاج يرى الظلم في مجتمعه، وتكالب الانتهازيون والمنافقون للاستفراد برغد العيش على حساب الأكثرية الصامتة والنسبية المكمومة، وكان يمتلك بصيرة نافذة وضميراً حياً، واستطاع أن ينير الطريق أمام الناس في المجتمع وإقناع الناس بضرورة الإصلاح الاجتماعي، وكان هذا يكفي من جانبه كي تتكالب عليه سهام الافتراء والتكفير من قبل أصحاب المصالح وذوي النفوذ، وتم سحله سحلاً مشيناً أمام الفقهاء والعامة، حتى يكون ذاك العقاب مثلاً رادعاً لمن لا يمتثل أمام طغمة الظلم والنفاق. وهذا مصير كثير ممن حملوا شعلة التنوير. 

إن الذي يتقدم الى الأمام يكتسب مع كل خطوة حيوية متجددة ويبقى خالداً خلود الحياة، بينما الذي يستكين في محطة الراحة والكسل، ويعطل مسيرة الفكر، فإنه آيل إلى التحلل والتعفن. وهكذا فإننا شهود على شعوب في مرحلة التحلل، وشعوب أخرى سكرى بفعل نتانة التعفن، حيث الفكر الحر مقيد ومهان ومكموم ومدفون تحت ثقل العفونة ومخنوق في جو النتانة.. وأمل هذه الشعوب هو حملة شعلة التنوير من أمثال ابن العسكر وسقراط ابن أثينا وغيرهم ممن رصعوا سطور التاربخ، ورفعوا من مكانة الشعوب.

 فبين فهد العسكر ومن سبقه ومن لحقه حبل تواصل لن ينقطع؛ لأن هناك أيادٍ كثيرة تحمل شعلة التنوير بعد أن تقول الطبيعة كلمتها في بعضهم، أو يكونوا ضحايا سلطة الجهل والتخلف، وتتوقف أنفاسهم وينغرس ذكراهم في الضمير الإنساني. 

لقد سبق زمانه بعقود من السنين، فما ضاع فكره، لأن الفكر المستنير ينبع من الضمير، فقد لحق به بعد عقود جمهرة من الأحرار الذين يحملون رسائل الفكر، وكلهم عانوا من جهل الأقوام ومن دجل الفقهاء، والفكر لا يستقر ولا يعجز ولا يستكين، ولا يحط رحاله في محطة ويكتفي، بل حيوية دائمة مستدامة، وسير وتقدم إلى الأمام.. وسقراط الفيلسوف الحكيم قبله نبذه قومه الاثينيون وتكالبت عليه، من أصحاب المصالح والسطوة، الادعاءات الكاذبة والافتراءات الحقودة والصرخات المحرضة، وجره في المحكمة وهو كهل قد تخطى السبعين، من أجل محوه من الوجود حتى يطفئوا نور كلماته عن المجتمع. وابن الحلاج درس الإرث وتفقه فيه ورأى فيه رأياً يخترق حدود التقليد، ويحطم قيود التجهيل، فعاقبه التقليد والتجهيل على أفواه الفقهاء، أفواه التزلف إلى السلاطين والتصديق على ما تهواه نفوسهم. فكان قرار الحكم من الفقهاء، حكم يفوق حدود الظلم ويتخطى مساحة الجور، حكم ليس له بعد مثيل.. وابن العسكر الذي بكى بحرقة المتألم أمام أمه يلومها وحبه لها يحرق قلبه، وتفجرت الكلمات من أعماق نفسه تصرخ: «كفي الملام وعلليني فالشك أودى باليقين...». قالها وهو يستشعر سطوة الظلام والتجهيل التي باعدت بين أمه وبينه إلى مسافة الملام، وهو في رائعته الشعرية ذات النفس الوجداني وحرقة المعاناة يلتفت إلى أمه قائلاً: «حتى أنتِ يا أماه»، وهذا يذكرنا بالقول المشهور لإمبراطور الرومان قيصر عندما غدر به بروتوس، وهو أقرب أصدقائه: «حتى أنت يا بروتوس»... 

 ويكفينا أن نعي مغزى الكلمات في شعره حتى نقتنع كيف أضحى ضحية وعيه الذي ابتلي به، فخلق وعيه مسافة فاصلة، مسافة طاردة، بينه وبين مجتمعه الذي كان أسير الإرث القديم والتقاليد البالية؛ فهو يناجي ربه أن يترفق بالجديد أمام سطوة القديم قائلاً: 

رباه رفقاً بالجديدِ فكم شكا جورَ القديمْ 

وطغت أبالسةُ الجحيمِ على ملائكةِ النعيمْ

وعندما زادت المسافة بينه وبين قومه، وشعر بنزعة الطرد ضده، قال معاتباً قومه بأقسى ما تجود به نفسه الجريحة بهذه العبارات وهو يتجرع كأس المنون: 

وطني وما أقسى الحياة به على الحر الأمينِ

وألذ بين ربوعه من عيشتي كأس المنونِ

ما راع مثل الليث يؤسر وابن آوى في العرينِ

والبلبل الغرِّيدُ يهوى والغرابُ على الغصونِ

واضطرته عزلته بعد العزل، أن يسخر ممن عزلوه قائلاً: 

هاتِ بنتَ النخلِ يا ابن العسكر

لا يطاقُ الصحوُ في ذا البلدِ 

 

وبعد أن وعى أن سطوة الظلام قد طالت وتطاولت وحالت حتى بينه وبين أمه، سَلَّمَ أنفاسه وهو يلومُ لومَ أمه عليه، وسَلَّمَ ما تبقى عنده من مخطوطات رسالته إلى أخته، أملاً في أن تنتقل رسالته من يد أخته إلى أبناء جلدته، ولكن خاب الظن وهو خارج الوجود وعصي الوعي عن خيبة الظن. في بيت أخته حرقوا أوراقاً تسطر أشعاره، أشعار الرسالة، ولكن روح الشعر بقت خالده، لأن الروح عصية على النار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا