النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

ما أجمل الفقراء، وما أقبح الفقر!!

رابط مختصر
العدد 10991 الاثنين 13 مايو 2019 الموافق 8 رمضان 1440

أرسل لي أحد الأصدقاء صورة معبرة لطفلة فقيرة بائسة غارقة في وحل المعاناة، اقترب منها المصور ليلتقط لها صورة، ولينقل معاناتها إلى العالم، فظنت أنه بحاجة إلى الطعام، فمدت يدها له بلقمة من بقايا طعامها الملقى أمامها. فما أجمل الفقراء، وما أقبح الفقر!!

تلك الصورة، دعتني إلى استحضار صور من الفقر مؤلمة تجتاح العالم خاصة فيما يسمى بالعالم الثالث، منه البلاد العربية.

 استحضرت تلك الصورة وأنا أطالع التقرير الأول من نوعه حول الفقر في البلاد العربية المنشورة تحت عنوان: (التقرير العربي حول الفقر المتعدد الأبعاد)، والذي تم اعداده بالشراكة بين جامعة الدول العربية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، والذي أسهمت في تحريره عدة جهات وخبراء، ليتحول إلى وثيقة مرجعية حول عالمنا العربي الغارق في الفقر ومخاطر كل ذلك على التنمية المستدامة. حيث بات الفقر بمختلف أبعاده من أكبر التحديات التي تواجهها المنطقة العربية والعالم، ولذلك اعتبر القضاء عليه هو الهدف الأول في خطة التنمية المستدامة لعام 2030. ولعل الطريف واللافت في هذا التقرير كونه يستخدم مؤشرا يعكس الأبعاد المختلفة للفقر، وما تواجهه المنطقة العربية من صراعات وتحديات تزيد من تفاقم هذا الوضع المزري أصلاً.

واللافت في هذا التقرير أنه يميز بين فقر الهشاشة الاجتماعية الأسرية والفقر المتوسط والفقر الشديد والفقر المدقع، وهنالك على الأقل 11 بلدًا عربيًا يقع الناس فيه ضمن هذه المعادلة السوداء، أي نصف البلدان العربية يمكن تصنيفها بأنها بلدان فقيرة تماما. والأخطر من ذلك أن نسبة من السكان المصنفين غير فقراء، هم بدورهم معرضون بشكل مؤكد للوقوع في الفقر والفقر الشديد، بحسب أوضاع البلدان.

وتبقى لنا بعض الملاحظات حول هذا الموضوع:

- الملاحظة الأولى: حول تعريف الفقر والفقير بالمعيار الدولي، حيث يتم اعتماد معيار الدخل كمرجعية أساسية لتصنيف أوضاع الناس الاجتماعية الاقتصادية: فمن يحصل على دخل لا يقل عن دولارين في اليوم بهذا المعيار فهو ليس فقيراً (معيار البنك الدولي الذي تأخذ به العديد من الدراسات). وهو في الحقيقة معيار غير دقيق من وجهة نظري، إذا أخذناه مجرداً عن السياق الاجتماعي. - الاقتصادي، وعن البنية الاجتماعية الاقتصادية، ففي بلدان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وهي الدولة العظمى في العالم، فإن نحو 20 مليوناً من المواطنين لا يمتلكون تأميناً صحياً على سبيل المثال، ولذلك يسقط معيار الدولارين في الماء سقوطاً مدوياً، وفي البلدان التي تؤمن فيها الدولة حاجات المواطنين الأساسية من صحة وتعليم وسكن، فإن معيار الدولارين يصبح معقولاً، إذا ما ارتبط بالفرد وليس بالأسرة، وإن كان قابلاً للنقاش. بهذا المعنى فإن جميع السكان في بلدان الخليج العربي على سبيل المثال ليسوا من الفقراء، لأن الدخل في اليوم أكثر من دولارين، والناس ينعمون بالعلاج المجاني والتعليم المجاني، ويسكن أغلبهم في بيوت الإسكان التي تؤمنها الدولة ويحصلون على مياه نظيفة.. وهذا بالطبع ليس واقع الحال الذي هو أكثر تعقيداً. 

- الملاحظة الثانية: إن تعريف المنظمات الدولية المختصة في شؤون التنمية أكثر تعقيداً من موضوع الدولارين، فالدول الفقيرة هي التي تعاني من مستويات منخفضة من الغذاء الصحي، كماً أو نوعاً لكل أفراد المجتمع، ومستويات منخفضة من خدمات التعليم والرعاية الصحية، ونقصاً في توافر المياه النقية صحياً للاستهلاك البشري والصرف الصحي، ويضاف إلى ذلك معاناتها من تدهور واستنزاف مستمر لمواردها الطبيعية، مع انخفاض مستوى دائرة الفقر، ويضيف برنامج الإنماء للأمم المتحدة معايير أخرى تعبر مباشرة عن مستوى رفاهية الإنسان ونوعية الحياة أوسع من دائرة الفقر، بمفهوم نوعية الحياة لتضم داخلها 70 دولة من دول العالم، أي أن هناك نحو 45% من الفقراء يعيشون في مجتمعات غير منخفضة الدخل، أي هناك فقراء في البلدان الغنية: (نسبة 15% من السكـان في الولايات المتحدة الأمريكية يصنفون من الفقراء على سبيل المثال)، ولذلك فقد قدم تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة مؤشراً لا يركز فقط على فقر الدخول، ولكن أيضاً على الفقر بوصفه أحد وجوه الهشاشة الاجتماعية والحرمان من الفرص في العيش المقبول، ويعد مؤشر الفقر البشري مؤشراً مجمعاً من ثلاثة مؤشرات أساسية للحرمان، وهي مؤشر للحرمان من حياة طويلة بصحة جيدة، والثاني مؤشر تعليمي معرفي يتمثل في نسبة الأمية، والثالث يقيس درجة الحرمان من مستوى معيشي لائق.

- الملاحظة الثالثة: تتعلق بالمسؤولية على الفقر، فلا أحد يجب أن يكون فقيراً، كما يقول المفكر والباحث في الاقتصاد السياسي، الإيطالي - الفرنسي الدكتور ريكاردو بتريلا: «نحن أغنياء لأننا نسهم في إفقار العالم... وليس من حقّ أحد أن يكون فقيراً،... ويكفي إظهار إرادة سياسية حقيقية لتغيير العالم للقضاء على الفقر».

 والحقيقة أن موضوع الفقر قد شغل المجموعة الدولية من منتصف العقد السابع من القرن الماضي، عندما وعدت الدول الغنية بـ«القضاء على الفقر» بحلول العام 2000، وتعهّدت بتخصيص 0.7% من ناتجها القومي الإجمالي للمساعدة في التنمية العامة للشعوب التي تعاني من الفقر. ولكن لا شيء من ذلك تحقق. وفي العام 2000، بلغ عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر 2،7 مليار بشر من أصل 6 مليارات ونصف نسمة في العالم، ومن أولئك 1.3 مليار مصنّفون «شديدو الفقر» كون دخلهم يقلّ عن دولار واحد يومياً. (مع التحفظ على معيار الدخل كمعيار وحيد). واليوم يرتفع عدد الفقراء ليصل إلى 3 مليار نسمة، ولذلك تدفع الدول الغنية وخاصة الأوربية منها ثمنا باهظا جراء ذلك من خلال الهجرة غير الشرعية وأمواج المهاجرين واللاجئين من الباحثين عن الأمن والأمان أو على لقمة عيش في الضفة الشمالية. ولذلك فإن عدم تحقق هدف القضاء على الفقر أو الحد منه بسبب عدم وفاء المجموعات المسيطرة من الدول الغنية والنخب الحاكمة في البلدان الفقيرة بالتزاماتها تجاه الشعوب. والأسوأ من ذلك، فقد جرى اعتماد سياسات، تُرسِّخ من أسباب الفقر المزمن، بل وأصبحت الدول الغنية تنظر إلى الفقر على أنه نوع من الحتميات الاجتماعية، وأصبح هذا المنطق هو المرجع الأساسي لتبرير استمرارية الفقر والحرب معًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها