النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

تحولات اليسار في الغرب

رابط مختصر
العدد 10989 السبت 11 مايو 2019 الموافق 6 رمضان 1440

قبل خمسة عقود على وجه التحديد، كان اليسار في الغرب ينقسم الى قسمين: القسم الأول كان لا يؤمن بالاندماج في الشرعية الليبرالية الديمقراطية، ويعتبرها صناعة رأسمالية تعزز سيطرة الرأسمالية ونظامها الطبقي، ولا تنصف الطبقات الدنيا، كان ذلك إبان الحرب الباردة وانتشار فكرة الصراع الطبقي من منظور الأحزاب الاشتراكية التي تعتقد بحتمية هذا الصراع حتى انتصار البروليتاريا لتؤسس المجتمع الاشتراكي الخالي من الطبقات. بالحتم كانت تلك قناعة راسخة عند هذا التيار اليساري الذي كان يعتقد (في ذلك الوقت) أن هناك نموذجًا اشتراكيًا ناجحًا موجود في الاتحاد السوفيتي، وبالتالي ظلت هذه القناعة ثابتة. وانتهج هذا التيار المتشدد من اليسار العنف لتغيير الأنظمة وجنح الى العمل السري. ويعتبر حزب (الألوية الحمراء) الإيطالي نموذجًا لهذا اليسار الذي قام باختطاف الدومورو (رئيس الوزراء الإيطالي في 16 مارس 1978) آنذاك ومحاكمته وإعدامه. انطلاقًا من هذا الفهم وبناءً عليه، فإن هذه الأحزاب اليسارية التي تنتمي الى هذا الاتجاه اعتُبرت تنظيمات إرهابية في الغرب، فهي تتبنى العنف لتغيير النظام استراتيجية ثابتة. 

القسم الثاني من اليسار في ذلك الوقت، أي قبل خمسة عقود، كان غير متشدد ويعمل في العلن في ظل قوانين الأنظمة الديمقراطية، كان الحزب الشيوعي الإيطالي الذي كانت له شعبية واسعة في ذلك الوقت، من هذا النمط، كذلك كان الحزب الاشتراكي من (يسار الوسط). في العقود الأخيرة التالية انتفت الأحزاب اليسارية المتشددة، من نمط الألوية الحمراء المتطرفة التي اتخذت السرية والعنف والإرهاب، من المشهد الأوروبي، وبمعيتها انتفت أيضًا الأحزاب اليمينية المتطرفة التي هي أيضًا كانت تنتهج العنف استراتيجية لها. كان ذلك انتصارًا لليبرالية الرأسمالية، التي أصبحت جميع الأحزاب اليسارية من كل التيارات والمشارب تعمل تحت مظلتها الدستورية في النمط الديمقراطي التعددي. ثم فوجئت الأحزاب اليسارية (بكل أطيافها) التي كانت تعمل في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، بانهيار المنظومة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية في نهاية الثمانينات. في هذا الوقت كانت أحزاب اليسار ويسار الوسط في أوروبا تدخل في ائتلافات حكومية مع اليمين، ذلك كان يعني اندماج اليسار أكثر في الجسد الليبرالي الديمقراطي التعددي. إذ أصبحت قناعات اليسار هذا تذهب الى تحليل مخالف للسابق، فهي باتت مقتنعة أن اشتراكها في السلطة سيسمح لها بالتأثير على القرارات الحكومية، كما ستتمكن عبر ذلك اتخاذ قرارات تخدم الطبقات الهشة والفقيرة. هذه الائتلافات شبيهة بالائتلاف القائم حاليًا، بين الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة أنجيلا ميركل في ألمانيا (يمين) والحزب الديمقراطي الاجتماعي (يسار). 

في الفترة الراهنة الحالية أيضًا حدثت تطورات جديدة أخرى في جسد اليسار الغربي متمثلة في انبثاق أحزاب جديدة تشكلت من الشارع مباشرة وكانت قريبة من هموم المواطن الذي فقد ثقته في الأحزاب التقليدية، يسارًا كانت أو يمينًا، تلك التي يتهمها الشارع بمهادنة النخب السياسية في السلطة، كما حدث في اليونان، حزب سيريزا على سبيل المثال، وفي إسبانيا حزب بوديموس. 

دلالات أخرى على هذه التحولات الحالية القريبة، ما حدث مؤخرًا في فرنسا، إذ انبثقت انتفاضة أصحاب السترات الصفراء بعيدًا عن نفوذ الأحزاب التقليدية بشقيها اليساري واليميني، كما تبيّن من ذلك أن الأحزاب التقليدية بالفعل تبتعد عن هموم الناس، لتعزل نفسها. ضمن هذا التحول، تقهقر الحزب الاشتراكي الفرنسي (يسار) والاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا وحزب العمل في هولندا، كما انكمش كامل اليسار في التشيك. وشهدت إيطاليا مؤخرًا، انهيار يسار الوسط في الانتخابات الأخيرة لصالح حزبين شعبويين في ائتلاف السلطة الحالية. كما انحسر تأييد الحكومة التي يقودها الديمقراطيون الاشتراكيون في السويد. وفي اليونان هناك احتمال أن يفقد ائتلاف الوسط الحاكم السلطة هذا العام، فيما تشهد إسبانيا مثل هذا الانحسار. 

كما حدثت تغييرات جذرية عميقة في داخل الأحزاب اليسارية ذاتها، فلم يعد هناك احتكار لزعامة الحزب، كما كان في السابق، مثل الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي ظل فيه فرنسوا متران يحتكر زعامة الحزب، والحزب الشيوعي الذي احتكر جورج مارشيه زعامته. 

إذن، تحولت الأحزاب اليسارية الى تداول الزعامة عملاً بالنهج الديمقراطي وفي ذلك دلالات واضحة. كما نلاحظ أن الأحزاب اليسارية، خصوصًا بعد صدمة سقوط المنظومة الاشتراكية ما بعد تسعينات القرن الماضي، راحت تنسجم تدريجيًا مع الليبرالية الديمقراطية التعددية، فهل وهنت هذه الأحزاب أو تخلت عن نهجها القديم، أم تلاءمت؟

بلا شك هناك تغييرات طرأت على اليسار في الغرب، وهناك اضطراب عام عند هذه الأحزاب، لكن يرى بعض الدارسين أن اليسار مازال قادرًا على استعادة مكانته. يقول الكاتب ليونيد بيشيدسكي: «إن العالم الغربي له مصلحة في بقاء اليسار التقليدي، وذلك لأنه يملك سجلاً مؤكدًا على صعيد جعل المجتمعات أكثر عدالة، وتقييد النزعات الامبريالية»، ويقول في السياق نفسه: (شكل اليسار ثقلاً موازنًا للنزوع الطبيعي لدى اليمين تجاه مناصرة الشركات والآلات العسكرية الكبرى). 

ولكن ماذا عن اليسار العربي؟ ألم يتحول هو بدوره بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وانتشار الليبرالية الديمقراطية؟ لا شك أن هناك تحولاً حدث عند اليسار العربي، وبشكل عميق ومختلف، وهو يحتاج الى رصد آخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها