النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

هل تراجع الدور السياسي للأحزاب في العالم؟

رابط مختصر
العدد 10986 الأربعاء 8 مايو 2019 الموافق 3 رمضان 1440

سألني الصديق:

أليس لافتًا هذا التراجع للتأثير الشعبي للجمعيات والأحزاب السياسية في العالم، بما في ذلك الأحزاب الكبيرة في البلدان الديمقراطية العريقة في أوروبا الغربية، مثل فرنسا على سبيل المثال، حيث تجاوز الشارع وبعض تشكيلات مؤسسات المجتمع المدني تلك الأحزاب السياسية العريقة بشكل مدهش. ويمكن أن نذكر هنا الحراك الشعبي الذي اندلع في فرنسا منذ عدة أشهر ممثلاً في حملة السترات الصفراء والذي لا يتبع أي حزب أو جماعة سياسية، بل يعبر عن مصالح الفئات الشعبية التي لم تعد ترى في تلك الأحزاب معبرة عن مصالحها في ظل سياسات حكومية تتجه بشكل متزايد نحو اليمين الليبرالي المتوحش. كما يمكن أن نستذكر في هذا السياق الحراك الشعبي في عدد من البلاد العربية -مع الفروق الكبيرة بين الحالات المختلفة-إذ لم يعد للأحزاب السياسية التقليدية المنظمة ذلك الدور الكبير والمؤثر بين الناس، مثلما كان دورها الذي كان موجودا في السابق، فهل يمكن القول إن الأحداث قد تجاوزتها بالفعل؟

قلت: أرى في مثل هذا الكلام تبسيطًا واستعجالاً في الحكم، وتعميمًا مخيفًا. فبالرغم من أن هنالك تحولات في منطق السياسة في العالم، وهنالك تراجع مشهود منذ فترة في بعض البلدان الأوروبية، مثل فرنسا التي فشلت فيها الأحزاب التقليدية في الوصول إلى سدة الرئاسة أو السيطرة على البرلمان خلال الانتخابات الأخيرة. لأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من سلطة الأمر الواقع، وذات مصلحة في دوام الحال. بل أصبحت تكتفي بالدفاع عن مصالح محدودة فقط، فهي لم تعد قادرة على الاستجابة لتطلعات الناس، خاصة لتطلعات أولئك الذين هم على الهامش. لكن في المقابل فإن الأحزاب الكبيرة ما تزال إلى اليوم تشكل القوة الضاربة في الحياة السياسية في بلدان أخرى، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والعديد العديد من البلدان في أوروبا الغربية والشرقية واليابان وفي غيرها. 

أما في ببلداننا العربية، فإن الأحزاب والجمعيات السياسية -إلا في حالات محدودة- قد ظهرت للوجود منذ سنوات أو عقود قليلة، وما تزال تبحث لها عن دور وعن مساحة للتأثير، ولذلك ما يزال دورها محدودًا، إلا إذا ما ارتبطت بشيء أكبر وأقوى تأثيرا من السياسة واليات اشتغالها، ليرفعها عاليا، مثل الدين أو الطائفة أو القبيلة.

ولذلك ترى جماعات الإسلام السياسي هي التي تتصدر المشهد في أغلب البلدان العربية، وهي ليست أحزابًا سياسية حقيقية، لديها برامج وأفكار ورؤى تتنافس من خلالها من أجل الوصول الى البرلمانات، أو للتأثير في مجريات الحياة السياسية، وإنما ظلت كجماعات ترتكز على ما هو غير سياسي لفرض نفسها سياسيا على الجمهور.

 قال الصديق: حتى هذه الجمعيات التي برزت فيما يسمى بالديمقراطيات العربية الناشئة، وبالرغم من المساحة التي حظيت بها، فإنها لم تتمكن من تحقيق أي نجاح حقيقي على الأرض، وذلك بفعل العديد من العوامل، التي منها من وجهة نظري ابتعاد معظم الأحزاب عن قضايا الشارع الملحة المتعلقة بالأوضاع المعيشية والظروف الاقتصادية، وانشغالها بالمعارك من أجل الوصول إلى السلطة، انطلاقا من معادلة جاهزة، مفادها أنه لا إصلاح ولا تطوير، إلا من خلال الغلبة السياسية، وهو الطريق الذي جعلها باستمرار في حالة صراع وصدام مع السلطة في أغلب البلدان العربية، وكذلك عدم قدرة هذه الجمعيات والاحزاب السياسية على تجديد نفسها وقراءة المتغيرات المحلية والدولية، ومواكبتها وتوظيفها بما يحافظ على مكانتها ودورها الذي يفترض أن تقوم به.

بالإضافة إلى استمرار اعتماد بعض تلك الأحزاب على الشعارات والخطابات والوعود التعبوية، في عصر لم تعد تنفع فيه سوى الإنجازات على الارض لكسب تأييد الناس.

قلت: مازلت أعتقد أن الديمقراطية من دون جمعيات سياسية من الصعب أن تستمر، فعلى المستوى السياسي، يجب أن تحافظ الأحزاب والجمعيات السياسية على وجودها كواجهة لخوض الحياة السياسية والانتخابية في إطار القانون، وتمرير التشريعات والمشاريع السياسية التي تخدم التنمية والحرية ولا تتعارض مصالح الناس. فغياب الأحزاب والجمعيات المنظمة التي تعمل وفقا للقانون من شأنه أن يخلق مشاكل كبيرة، مثل أن يصبح الشارع هو الذي يتحكم في المشهد السياسي، لأنه سيندفع نحو ملء هذا الفضاء، سواء بسبب فقدان الناس الثقة في هذه الأحزاب أو بسبب ضعفها أو غيابها من المشهد. ولذلك فإنني لا أرى في مصلحة المجتمع غياب الحياة السياسية المنفتحة والمتنوعة والمنظمة وفقا للقانون. فالحياة الديمقراطية من دون جمعيات سياسية قانونية فاعلة متحررة تبقى من دون فاعلية. فالديمقراطية لا تستقيم من دون وجود حياة سياسية حقيقية وفاعلة في ظل الحرية، وضمن إطار القانون. كما من المشروع تماماً أن تعمل الجمعيات السياسية على تطوير وتعزيز الإصلاح والديمقراطية، طالما أنها لا ننتهك قانوناً أو تخل بثوابت المجتمع، فمن الواضح أنه لم يعد من الممكن تجاهل التطلعات المشروعة للشعوب والكرامة وحقها في المشاركة في رسم مصيرها. هذا هو الدرس الذي يجب استخلاصه مما يحدث في أكثر من مكان في العالم، ولا يمكن أبداً القفز على هذه الحقيقة المؤكدة أو مناورتها بالوسائل التي تضيع الوقت، وتحول دون الإصلاح. إلا أن ركوب هذه التطلعات واستغلالها فئوياً لتحقيق مآرب ضيقة على حساب الناس، وعلى حساب المصالح العليا للأوطان، هو انحراف مخيف، لعله أخطر في نتائجه وتأثيره على الناس من أي أمر آخر. فالمعطيات الإيجابية، التي تشكل أسباباً للنجاح في إنجاز التحولات المنشودة المتبقية في رحلة الألف ميل موجودة وملموسة ولكنها في حاجة إلى تعزيز وتطوير، وفي مقدمتها بناء الدولة المدنية التعددية على أساس المواطنة المتساوية وتطبيق القانون، وحقوق الإنسان، ولكن عندما تتحول المزايدة في الحياة السياسية وخلط الأوراق إلى أسلوب بديل عن العمل السياسي المشروع والمنظم، تكون الفوضى وعدم الجدوى هي النتيجة الحتمية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها