النسخة الورقية
العدد 11058 الجمعة 19 يوليو 2019 الموافق 16 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

مكانة «القوة» في العلاقات الدولية ودورها

رابط مختصر
العدد 10985 الثلاثاء 7 مايو 2019 الموافق 2 رمضان 1440

في مقال سابق تحدثنا عن مبدأ «ما أُخِذَ بالقوة لا يُسْتَرَدُّ إلاّ بالقوة»، وكيف أن هذا المبدأ، رغم قدمه منذ بدء التاريخ، مازال هو السائد بين الدول والشعوب، وكيف أن جميع الدول، العظمى منها والصغرى، تحترم هذا المبدأ، وحتى المؤسسات التي تتبنى نهج السلم العالمي وتنادي بالمبادئ الإنسانية لا حول لها ولا قوة أمام جبروت القوة، وهي تقف عاجزة أمام عبث القوي بالضعيف واستهتار القوة بالقيم الإنسانية... القوي لسانه سيفه، وبالسيف يغزو وينهب ويذل ويفعل ما يشاء ويستفرد بخيرات الطبيعة نهباً وسلباً وقهراً لصاحب الحق، وهو يفعل كل هذه الموبقات دون أن ينبس بكلمة ودون أن يرف له جفن والضمير قد جف ماؤه في تربة نفسه، بينما الضعيف سيفه لسانه، يجول ويصول به بالكلام، بالشكوى والعويل والاستنجاد، وأمام عجزه وحنقه يكظم غيضه على مضض، وأفضل مفرزات الضعف والغبن عند الضعيف العاجز هو فلسفة الحال، والتفلسف هو سيد اللسان في غياب السيف، فالسيف أصدق أنباءً من الكتب... 

من يملك القوة فهو صاحب القرار، بغض النظر عن طبيعة القرار، وهو صاحب القانون، له قانونه الخاص الذي يفرضه على الضعفاء، بينما هو لا يلتزم بأي قانون، سوى ما تمليه عليه مصالحه وأهواء نفسه، فمصالحه نهب من خيرات الآخرين، وأهوائه عبث ومهانة لكرامة الآخرين. رغم جبروت القوة وهولها، إلاّ أن لها منطقها، منطق القوة الذي يفرز شيئاً من العقلانية على القوة، ويحد من اندفاعاتها واستهتارها. وهذا المنطق يرتكز على قاعدة «و داوها بالتي كانت هي ألداء»... 

القوة بذاتها لا ترتدع رغم ما تدعيه البشرية من تطور حضاري، وتحول تاريخي من مرحلة همجية الى مرحلة بربرية، ومن بربرية إلى مرحلة حضارية، الحضارية التي، من المفترض فيها، أن يكون الانسان قد تخطى معها وبها نهج العدوان إلى نهج التعاون والسلام، ولكن يبدو أن الموروث البربري في النفس البشرية مازال قوياً رغم النقلة النوعية الى الحضارة، وهذا الموروث المتبقي في جسم الحضارة دلالة على أن الحضارة بعد لم تتخطى حدودها المادية والمظهرية، وأن النفس مازالت في حاجة إلى الترويض في ظل الحضارة المادية قبل أن ترتقي إلى الحضارة ببعدها المعنوي وعمقها الروحي، والتي عندها ترتدع القوة بذاتها من أجل التعاون والسلام والخير العام... وليس من الممكن تحديد المدى الزمني لحدوث هذه النقلة النوعية والروحية، وليس من المستبعد أن يدمر الانسان نفسه، تدميراً كاملاً، قبل حصول هذه النقلة المرجوة.

إذاً فالقوة مازالت بربرية النزعة، رغم مادية الحضارة، وأنها لا ترتدع بذاتها، وأن الردع الفاعل والمؤثر يتمثل في قوة مقابلة، وفي غياب قوة مقابلة، فإن القوة تفعل ماتشاء دون حدود أخلاقية ولا نَفَسٍ انساني ولا واعز من ضمير. وهكذا بإمكاننا أن نفهم ونقدر المبدأ الذي يؤكد بأن «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة»، ومازال هذا المبدأ هو السائد على جميع المستويات، من المستوى الفردي مروراً بالمستوى الاجتماعي وصولاً إلى مستوى العلاقات الدولية، وطبيعي أن المستوى الدولي هو الأساس وهو الأكثر كارثية بالنسبة للإنسان، وأنه يمكن لهذا المبدأ أن يكون السبب في وأد الحضارة قبل اصطلاب عودها واكتمال بنيانها. حضارتنا مازالت في طور المهد بفعل الموروث البربري الذي مازال مغروساً في نفوسنا. 

إن القوة المقابلة تحت سقف «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة» لا يعني بالضرورة التساوي في ميزان القوة، ولا يعني كذلك تفجير شرارة الحرب لاسترداد الحق المسلوب، وجود القوة، ولو كانت نسبية، كافية للردع، وكوريا الشمالية وكوبا أمثلة حية على هذا المبدأ أمام العدو اللدود، أمريكا، الذي يمتلك أعظم منتجات العلم والتكنولوجيا من السلاح بانواعه المدمرة، فهذه الدولة العظمى، ومثيلتها، روسيا والصين، يمتلكون من القوة ما يمكنها تدمير الكرة الأرضية مئات المرات (جنون العظمة، رغم أن التدمير الأول لا يفسح المجال لتدمير ثانٍ). ولكن كل هذه الدول العظمى ترتدع ذاتياً من الدخول في حروب مع من يمتلك القوة، ولو قوة نسبية. إن امتلاك القوة، ولو نسبية، تكون ورقة مجدية في المفاوضات حول القضايا الخلافية مع الجانب القوي، وتساهم في تنازلات مقبولة من الجهة الأخرى، لأن الحرب ليس بالضرورة أن تكون مجدية بالنسبة للقوة الأعظم، والأمثلة كثيرة، من فيتنام الى افغانستان، وفي حالة عدم جدوى مخرجات المفاوضات، يمكن للقوة النسبية أن تدخل في مناوشات عسكرية استنزافية لا ترقى إلى حالة الحرب وتكون محرجة ومضرة بالجانب الأقوى، ولكن الثمن لن يكون رخيصاً (في حاجة إلى تماسك وطني داخلي)، ولكنها تكون مؤثرة ومفيدة لمفاوضات مجدية لاحقة، ومع وجود قوة نسبية، يمكن الدخول في تحالفات مع قوى أخرى، مما يساعد ويساهم في دعم الردع المطلوب، لأن القوي يتحالف مع القوي، وهذا هو التحالف، ببنما ارتباط الضعيف بالقوي لا يرقى إلى مستوى التحالف، بل تكون العلاقة بين السيد المقتدر الآمر والتابع الخانع المطيع.

وحسب قوانين الطبيعة وقوانين العلوم الاجتماعية، فإن القوة تستطيع أن تمتص وتستوعب ضربات القوة الموجهة إليها، حتى وإن كانت أضعف، بينما الضعف الكامل سيكون سجاداً مبسوطاً تطؤها أقدام القوة، دون حاجة للقوة أن توجه ولو ضربة واحدة إلى الضعف. فمازالت البشرية تتلذ بطعم القوة، وتمجد القوة ولو كانت ظالمة، فالقوي يحترمه القوي ويهابه الضعيف. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها