النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

إنعدام الحس الإنساني...

البحث عن أفق جامع ويعزز العيش المشترك

رابط مختصر
العدد 10984 الإثنين 6 مايو 2019 الموافق غرة رمضان 1440

قال:

ألا ترى معي أن النفوس استوحشت والحسن الإنساني تراجع، وأن عالمنا العربي الفسيح قد ضاق بناسه، وأصبح فضاء للعنف والاضطهاد والاستبداد بكافة أشكاله ومصادره، وأن الغرب بات أكثر رحمة بنا، حيث يحتضن أكثر من عشرة ملايين عربي من الهاربين أو الفارين أو المضطهدين أو اللاجئين أو الباحثين عن لقمة عيش صعبة؟

قلت:

أراك متشائماً أكثر مما يتطلبه الوضع، وأن هذه النظرة السوداوية القاتمة تخفي ما في الواقع من عناصر إيجابية ومن تحولات قد تدفع بنا إلى بناء عالم أفضل من ذلك الذي نحيا فيه. والغرب الذي تتحدث عنه، بات يكتظ بنا ويبني اسواره المادية والمعنوية والاته الفارزة للعرب الذين لا يجدون إلا الفتات في الغالب الأعم، وبصعوبة بالغة. أما النفوس التي استوحشت، فهذا أمر أتفق فيه معك تمام الاتفاق، فقد عمّ وانتشر في كل مكان تقريبا، فالأراجيف اتصلت، والأرض اقشعرت، والنفوس استوحشت، فحتى قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان التي يتغنى بها الجميع في الشرق والغرب، لم تفلح في الحد من استخدام كافة اشكال الانتهاكات ضد الإنسان، فحتى النووي والنابالم والقنابل الانشطارية قد ألقيت على المدن والقرى الهانئة بكل بساطة، وتم سحق الإنسان في المواجهات التي لا ناقة له فيها ولا جمل. ولكن الأمر لا يقتصر على مواجهات التوحش في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، بل عم كل مكان في العالم تقريبا، حيثما يوجد إنسان توجد أطماع وأنانية، في هذا العالم الذي يدعي أن عنوانه التقدم والحداثة وحقوق الانسان، وهو يسحق هذا الانسان بضروب العنصريات والجدران والاسوار المرفوعة.

قال: 

ألا تعتبر أن مهمة المثقف محاربة هذا التوحش وهذه الأسوار الفاصلة بين الإنسان والإنسان، على أساس عرقي أو ديني او طائفي أو لغوي؟ أليست من مهامه الرئيسية أن يربط بين المغرب والمشرق، بين الغرب والشرق، مهما تغيرت الجغرافيا، أي أن يكون صوتا صادقا من دون زيف أو تلفيق، أو تزييف؟؟.

قلت: 

أتفق معك بأن صوت المثقف يجب أن يعلو لأنه روح الأمة وعقلها ووعيها الذي يمشي على قدميه. فالمثقف عنوانه الإنسان، وجنسيته الإنسان ومدار تفكيره وإبداعه وما يكتب وما لا يكتب هو الإنسان. ولذلك عندما أسير في الشوارع هنا أو هناك وأرى كل تلك الوجوه العدنانية والهجرية والتميمية، والكنعانية، والفينيقية والجرمانية، والبربرية والتركية، الكرد والزنج والعجم، فلا أرى فيها إلا الإنسان، يلفه المكان والنور والظلام والنسيان في رحلة الهواء والهراء وضروب التصنيفات التميزية التي لا معنى لها، والمسكونة بالأوهام والكراهية وضيق الأفق. فهذه الشعوب والملل والنحل والطوائف لم تستقل بثقافاتها سوى لإيقاظ الحروب والصراعات التي يقودها في العادة كمشة من ملتهبي الرؤوس الذي لا تهمهم حياة الانسان، بقدر ما يهمهم ترسيخ الأوهام والجدران والأسوار الفاصلة وأولوان الأعلام وجوازات العبور. 

قال: ألا تخاف من التجديف ضدَّ تيار المجتمع، في مواجهة الأفكار الراسخة واسعة الانتشار؟.

 قلت: 

الصدق فيما نكتب والنزاهة فيما نكتب تعني فيما تعنيه كسر قشرة اللياقة المزيفة، ولكن إذا ما توكَّلنا على سلطة الحسِّ العام يمكن لنا اتخاذ موقف مُعارِض للرأي العام نفسه دون خدشه، أي أنك تنقده من داخل المنظومة وليس من خارجها، لأننا شركاء في القيم المشتركة. هذه هي الرسالة التي أحاول أن أمرِّرها فيما أكتب، رسالة العيش بسلطة الحسِّ العام وهذا يشبه إلى حد بعيد روح الطفولة التي توحِّد العالم. فتحرير روح الطفولة فينا مهمةٌ أساسية في أي عمل كتابي أصيل، بل إن مدار بقائنا يتوقف على قدرتنا على تحرير الطفل الداخلي فينا؛ وهذا قطعًا واحد من الأسئلة الاجتماعية الأهم في عصرنا.

قال: 

لماذا تهرب من الإبداعي وتتجه إلى السياسي فيما تكتب؟

قلت:

ربما لأنني لم أعد أؤمن بأدب القضايا، لستُ كاتباً في منظمة العفو الدولية ولا في المنظمة العربية لحقوق الإنسان! لا استسيغ الشعر السياسي. ولا الرواية السياسية، لأنها تشبه «المارشات» العسكرية، واعتبر الإبداع مثل الحياة، حراً متجدداً بلا قيود، وبلا التزامات، لا شيء محدداً فيه، وأصول الكتابة تكمن في الحرية الداخلية. 

قال:

 لماذا تعود دائماً إلى الكتابة عن الحب والموت باستمرار وكأنهما وجهان لعملة واحدة؟ 

قلت:

الحب هو أكثر تجارب الحياة مساساً بإنسانية الإنسان تماماً مثل الوجود والعدم، فما الحب إلا انتصاراً على النوع والجنس اللذين يخلوان من التفرد والفردية. وعندما يكون الحب قويًا فإنه يتصف بعمق يمكن أن يصِل إلى اللانهائية. أما الموت، فقد يكون انتصارًا للحب والتضحية بالذات، والإنسان يشقُّ عليه أن يواجِهَ سرَّ الموت، ولكنه يدرِك في نهاية الأمر أن الموت ينطوي على سر فريد هو الحب النابِع في الحياة الأبدية. ولابد من أن نفقد الحياة لكي نظفر بها ظَفَرًا كامِلاً، ولذلك فالحب والموت لا ينفصِلان.

همس

وسط هذا الانفلات السياسي والقيمي، تبقى الأصوات العاقلة التي تبحث بصعوبة بالغة وسط إعلام الخنادق والحناجر والخناجر والكتابات الملونة برائحة الكراهية، تبحث عن مساحة للتسامح والوحدة والمصالحة، من أجل تعزيز وحدة المجتمع وضمان عيشه المشترك، وجعل الديمقراطية ذهابا نحو المستقبل، والدفاع عن الحق دون تحامل، وجعل المصلحة العامة بوصلة التحكم في جميع المسارات. والتشجيع على المراجعة والحوار لطي صفحة الأزمات والتقدم نحو أفق الحل، من أجل تعزيز التجربة الديمقراطية التعددية في ظل دولة مدنية وطنية يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، دولة فيها تنمية مستدامة وتكافؤ فرص. وإن حلا من هذا القبيل يتطلب امتلاك الشجاعة اللازمة للخروج من أفق المراوحة بما يفتح الطريق نحو أفق جديد جامع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها