النسخة الورقية
العدد 11035 الأربعاء 26 يونيو 2019 الموافق 23 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الهوشان.. أول «ســـربونــي» ســـعودي

رابط مختصر
العدد 10983 الأحد 5 مايو 2019 الموافق 30 شعبان 1440

 احتكاك السعوديين بالثقافة والحياة البريطانية والأمريكية سبق احتكاكهم بالثقافة الفرانكفونية بزمن طويل. يعرف الباحث اللبناني قاسم محمد عثمان الثقافة الفرانكفونية بأنها التأثر بنمط الحياة والسلوك الفرنسيين قبل أن يكون انخراطًا في نموذج سياسي أو كيان جغرافي (جريدة نداء الوطن 10/‏2/‏2014). ما هو معروف أن بعض أعلام الثقافة والأدب والفكر في المملكة العربية السعودية درس في الجامعات الفرنسية، وعلى رأسها جامعة السربون، وتخرج منها حاملاً الدرجات الجامعية العليا. من أشهر هؤلاء الدكتور فهد العرابي الحارثي الحائز على دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية. وهناك أيضا أحمد سعد أبودهمان صاحب رواية «الحزام» التي تعتبر أول عمل أدبي سعودي باللغة الفرنسية بعد أن نشره صاحبه في عام 2000، ولقي نجاحًا كبيرًا بدليل ترجمته إلى 8 لغات، علمًا بأن أبودهمان حصل على الماجستير من السربون وسجل للحصول على الدكتوراه لكن ظروفًا خاصة منعته من الاستمرار. ومن الأسماء السعودية الأخرى في السياق نفسه الدكتور معجب بن سعيد الزهراني الذي نال درجة الدكتوراه في الأدب العام والمقارن من جامعة السربون الجديدة عن أطروحته «صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة» وهو الآن مدير عام معهد العالم العربي بباريس. 

 

د. محمد بن حمد الهوشان

 

غير أن أقدم السوربونيين السعوديين ممن لا يعرف الناس عنه إلا القليل هو الدكتور «محمد بن حمد الهوشان» الذي يعتبر أول سعودي يحصل على دكتوراه الدولة في القانون من السربون.

وللحديث المفصل عن هذه الشخصية ومشوارها الدراسي والمهني المثير في الزمن الصعب نعتمد على ما كتبه المؤرخ السعودي الصديق الأستاذ محمد عبدالرزاق القشعمي في صحيفة الجزيرة السعودية (5/‏8/‏2017)، وما نشره في كتابه الممتع «أعلام في الظل» (منشورات مؤسسة الانتشار العربي/‏بيروت/‏2018)، علاوة على ما ورد في العدد 2394 من مجلة اليمامة السعودية.

 

فهد العرابي الحارثي وأحمد سعد أبودهمان ومعجب الزهراني.. من السوربونيين السعوديين اللاحقين

 

ولد محمد بن حمد الهوشان في المدينة المنورة في سنة 1347 للهجرة المصادف لعام 1929 ميلادي لعائلة يعود نسبها إلى السليمان من آل مغيرة من بني لام من طيء القحطانية (طبقا لموسوعة الأسر والعوائل العربيه في الخليج والدول العربيه). وقد صادفت سنة ميلاده السنة التي جرت فيها معركة «السبلة» آخر معارك الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه مع المتمردين من الإخوان البدو. وقتها لم يكن في المدينة شارع مسفلت سوى شارع العيينة المرصوف بالحجارة، ولم تكن بها سيارات سوى سيارة وكيل الإمارة، وسيارات النقل الكبيرة التابعة لنقابة السيارات من تلك التي كانت تستخدم لنقل الحجاج رغم أن أكثر الحجاج كان يستخدم الجمال، وكانت المدينة تضاء بالفوانيس لعدم وجود مولدات كهربائية، باستثناء تلك الخاصة بإضاءة الحرم النبوي وقصر الإمارة.

 

الهوشان في مكتبته

 

وسط هذه الظروف الصعبة التحق الهوشان بكتاب حي العبرية، حيث أتقن الهجاء وفق القاعدة البغدادية، وحفظ جدول الضرب على يد الشيخ حسن بشير أحد أئمة الحرم النبوي قبل أن يدخله خاله «ناصر العامر» برفقة أخيه صالح إلى مدرسة الصباغة الابتدائية التي كان تسمى بهذا الاسم بسبب وقوعها في شارع يعمل فيه محترفو صباغة الأقمشة، وكان يديرها المربي الفاضل ماجد عشقي من أبناء المدينة المنورة. بعد ذلك التحق بالمدرسة الثانوية التي كانت بها خمسة فصول لخمس سنوات دراسية، فإذا ما اجتاز الطالب الصف الخامس كان عليه إكمال الصف السادس في مكة المكرمة بمدرسة تحضير البعثات الواقعة في قلعة أجياد، والمكونة من 3 أدوار: دور للإدارة ودور للصفوف الدراسية ودور لسكن الطلبة المغتربين القادمين من خارج مكة كحال صاحبنا الهوشان.

 

تكريم الهوشان في أحد اللقاءات الخليجية سنة 2008 كأقدم محامٍ سعودي

 

وبينما كان الهوشان يواصل دراسته انشغل بمطالعة الصحف والمجلات القادمة من مصر إلى الحجاز فتعلم واستوعب الكثير من المعارك الأدبية المنشورة في تلك الصحف، والتي كانت رحاها دائرة آنذاك ما بين الجامعيين المصريين المنبهرين بحضارة الغرب وعلومه من أمثال علي عبدالرازق وطه حسين من جهة، وبين خصومهم من المحافظين المعادين للأفكار العلمانية والتغريبية مثل عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي وزكي مبارك من جهة أخرى.

بالتزامن مع هذا التحصيل الثقافي الأدبي والفكري، كان الهوشان يتلقى جرعات دينية على يد والده الذي كان يكلفه بقراءة سيرة ابن هشام وتسميع أجزاء منها كل يوم ثم يشرحها له ولأخيه صالح. كما تتلمذ وقتها أيضا على يد الشيخ عبدالله بن هاشم يماني (والد وزير الصناعة والكهرباء السعودي الأسبق هاشم عبدالله يماني) الذي علّمه الكثير عن ابن تيمية وابن قيم الجوزية والإمام الصنعاني وغيرهم، كما علمه وحفظه الكثير من الأدعية والأذكار المأثورة، وذلك خلال ذهابهما سيرًا على الأقدام لمدة ساعة من دكان اليماني لبيع الحبوب إلى الحرم النبوي كل يوم لأداء صلاة المغرب. علاوة على هذا، نهل الهوشان الكثير من شرح أبي البقاء العكبري لديوان المتنبي على يد الشيخ الحافظ بن موسى بن حميد المدني.

 

الهوشان مع أحد الإعلاميين السعوديين في منزله بالرياض

 

في مدرسة تحضير البعثات درس الهوشان اللغة الفرنسية لمدة سنة، وكان متفوقًا في كل دروسه بدليل حصوله على الترتيب الأول على زملاء صفه الأربعة والعشرين، وهو ما أهّله للحصول على بعثة دراسية إلى مصر.

وعليه ركب الطائرة لأول مرة في حياته بعد موسم الحج، مسافرًا إلى القاهرة، لكن الطائرة في تلك الأيام كان عليها الهبوط أولاً في الطور بقناة السويس قبل دخولها القاهرة؛ لأن السلطات المصرية كانت تحجز الركاب لمدة أسبوع في محجر صحي هناك كإجراء وقائي ضد انتشار وباء الكوليرا الذي كان الاعتقاد السائد آنذاك هو أن مصدره هو الحجاج العائدين من موسم الحج بمكة.

في القاهرة التحق الهوشان بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول التي كان لجماعة الإخوان المسلمين دور ونفوذ قويان فيها كقوة سياسية في أعقاب اغتيال مؤسس الجماعة حسن البنا في فبراير 1949.

 

المكتبة التي أهداها الهوشان للهيئة السعودية للمحامين

 

ومما قاله الهوشان في هذا السياق إن والده سبق أن عرض عليه عندما كان في المدينة المنورة مرافقته إلى مصر للاستماع إلى محاضرة لإصلاحي مصري في مدرسة العلوم الشرعية، فإذا بالمقصود هو حسن البنا الذي كان قد قدم للسعودية في ذلك العام لأداء فريضة الحج، حيث طلب بخبث من الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود أن يسمح له بإنشاء فرع للإخوان المسلمين في المملكة العربية السعودية فما كان من الملك إلا الرد عليه بدهاء قائلاً: «ألم تعلم أني وجميع شعبي إخوان ومسلمون، وأن جميع المملكة فرع من جماعة الإخوان، وهل لا ترضى بي رئيسًا لهذا الفرع؟».

قال الهوشان في معرض حديثه عن حياته في العاصمة المصرية إنه درس في كلية الحقوق، وكان يقيم في دار البعثات السعودية الواقعة في شارع عبدالمنعم بحي الدقي القريب من جامعة فؤاد الأول، وإنه كان يركب المترو في مواصلاته كغيره من الطلاب. وأخبرنا أيضًا طبقًا للقشعمي في كتابه (ص 309) أنه كان يلبس الطربوش الأحمر للدخول والخروج من الجامعة ودار البعثات، وكان هو وزملاؤه يودعون طرابيشَهم بعد كتابة أسمائهم داخلها لدى صاحب بقالة «سعودي» الموجودة تحت مبنى دار البعثات بالدقي.

خلال سنوات دراسته في مصر عاصر الهوشان حريق القاهرة وانقلاب 23 يوليو 1952 ضد النظام الملكي، وإعلان الجمهورية، والإطاحة بأول رئيس لها (اللواء محمد نجيب)، وإشادة الإخوان المسلمين بالانقلاب أول الأمر عبر وصفهم للانقلابيين بـ«فئة آمنوا بربهم وزدناهم هدى» قبل أن يتآمروا عليهم.

في يوليو 1955 تخرّج الهوشان من جامعته التي تغير اسمها إلى جامعة القاهرة، فحاول دون نجاح الالتحاق بوزارة الخارجية السعودية، الأمر الذي اضطر معه للالتحاق بشركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) بالظهران، حيث اختير مع أربعة سعوديين آخرين ليكونوا ضمن كبار موظفي الشركة. وقتها حاول الرجل الالتحاق بالإدارة القانونية للشركة كي يمارس تخصصه، لكن قيل له إن العمل في تلك الإدارة مقتصر على الأمريكيين، فما كان أمامه سوى العمل مع سعوديين آخرين من أمثال حسن المشاري وصالح بابصيل وعمر باخضير في إدارة علاقات العمل، حيث كانت مهمتهم هي الدفاع عن أرامكو ضد عمالها المفصولين من الخدمة أمام مكتب العمل والعمال الذي كان وقتذاك تابعًا لوزارة المالية، أي قبل أن يتحوّل إلى «مصلحة العمل والعمال» التي تأسست على يد الشيخ عبدالعزيز المعمر في عام 1954 بأمر من الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله.

لاحقًا أقنع عبدالعزيز المعمر الهوشان بالانضمام للمصلحة حديثة التأسيس، ففعل، ومكث فيها حتى عام 1958، وهو العام الذي شهد انتقاله من الظهران إلى الرياض للعمل كأول رئيس لمصلحة التقاعد التي كانت قد أنشئت حديثًا.

كانت الرياض آنذاك. أي بعد عام من انتقال وزارات الدولة إليها من مدينة جدة محصورة في محيط «قصر المربع» و«شارع الثميري». لكن سرعان ما بدأ مشروع توسعتها عمرانيًا بهدم أحيائها القديمة وبيوتها الطينية، وإقامة أحياء حديثة بفلل عصرية، وبناء قصر الناصرية ومساكن الموظفين في حي الملز.

في أواخر عام 1961 حصل صاحبنا على بعثة دراسية إلى فرنسا لإكمال دراسته العليا فحصل أولاً على دبلوم الدراسات العليا المعادل لدرجة الماجستير من جامعة بواتييه، وأتبعها بالالتحاق بجامعة باريس الأولى (السربون) لنيل درجة الدكتوراه، وبهذا دخل الهوشان تاريخ بلاده كأول سعودي يحصل على إجازة دكتوراه الدولة في الحقوق من السربون، كما أنه دخل تاريخ بلاده لاحقًا كأقدم محامٍ سعودي.

وحينما عاد إلى السعودية في عام 1965 حاملاً تلك الدرجة الجامعية الرفيعة تم انتدابه، بناءً على رغبته، للعمل في منظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبيك) في مقرها بمدينة فيينا النمساوية، حيث مكث فيها قرابة السنتين رئيسًا لقسم الدراسات المتخصصة.

دعونا نقرأ ما قاله عن هذا المنعطف المهني من حياته: «.. كانت خيبة أملي كبيرة. لم تعد المنظمة كما عهدتها مؤسسة فاعلة. لقد انتقلت مهمتها لوزراء النفط مباشرة بعد أن انتهى عهد عبدالله الطريقي (أول وزير نفط سعودي) ورفاقه المؤسسين. وكانت خيبة أملي أكبر عندما نشبت حرب الأيام الستة وأنا هناك. فقد رأيت كيف أن الغرب كله كان صهيونيًا، فعدت إلى الرياض لأواصل عملي في مصلحة التقاعد، ثم فضّلت العمل كأستاذ مساعد في كلية التجارة بجامعة الملك سعود (كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية حاليًا)...».

وقتها كانت كلية التجارة تشترك مع كلية الزراعة في مبنى واحد بقصر صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز رحمه الله في حي عليشة. وقتها أيضًا تذكر الهوشان معاناته خلال دراسته في كلية الحقوق بالقاهرة، وكيف أن القانون كان بالنسبة له كطالب مجموعة أحاجي وألغاز، فقرر أن يجنّب طلابه تلك المعاناة عن طريق كتابة مجموعة محاضرات وضعها في كتاب بعنوان «مبادئ علم الأنظمة» تضمّن دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الفرنسي.

أثناء عمله مسؤولاً عن التقاعد كان الهوشان قد افتتح مكتبًا للمحاماة بجوار مكتب الدكتور مطلب النفيسة (الرئيس الأسبق لشعبة الخبراء بمجلس الوزراء السعودي) في مبنى العزيزية بشارع الوزير بالرياض، خصوصًا وأن المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز كان قد أصدر قرارًا في تلك الفترة مضمونه أن العمل الحكومي لا يتعارض مع قيام الموظف العام بالعمل الخاص.

ومما قاله الهوشان عن هذه المرحلة من حياته، إن الوزير أحمد زكي يماني سبقه إلى افتتاح مكتب محاماة خاص به، وكذلك فعل الدكتور النفيسة الذي اعترف الهوشان بفضله الكبير عليه لجهة تجديد معلوماته الفقهية بعد عودته من فرنسا. كما أخبرنا الهوشان أنه خيّر ما بين إغلاق مكتبه أو تقديم استقالته من عمله الأكاديمي بجامعة الملك سعود فاختار أن يستقيل، مضيفًا: «.. وخلال ممارستي لهذه المهنة تطورت مهنة المحاماة بخطوات جدًا بطيئة، فقد مرت سنوات وسنوات قبل أن يصدر نظام المحاماة، وفي عهد الدكتور سليمان السليم كوزير للتجارة تأسست اللجنة الوطنية للمحامين السعوديين فكنت رئيسًا لها بالتعيين مرتين وثالثة بالانتخاب، ثم انتخبت من قبل لجنة غرفة التجارة الدولية في مجلس الغرف لأكون عضوًا في محكمة التحكيم الدولي في غرفة التجارة الدولية ما بين عامي 1994 و1997، وبعد صدور نظام المحاماة عينت عضوًا في لجنة تأديب المحامين إلى جوار الشيخ يوسف الفرج والأستاذ صالح العجاجي من وزارة العدل لمدة ثمانية أعوام..».

من المهام الأخرى التي قام بها الهوشان ترؤسه بعثة بالاشتراك مع الدكتور حمد الخويطر (المستشار بالديوان الملكي) إلى فرنسا بأمر من الملك فيصل في سبعينات القرن الماضي بهدف التعريف بالمملكة العربية السعودية وحث الشركات الفرنسية على المساهمة في تطوير البنية التحتية للمملكة وفق خطط التنمية الشاملة التي انطلقت مع مطلع فترة الطفرة النفطية الأولى.

وأخيرًا فإن الدكتور الهوشان كوّن على مدى سنوات عمره مكتبة حقوقية عامرة بشتى المؤلفات في القانون، وقد تفضل في مارس 2018 بمبادرة كريمة تمثلت في إهداء مكتبته هذه للهيئة السعودية للمحامين، وهو ما ثمنته له الهيئة ومنسوبوها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها