النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

قصور البؤساء

رابط مختصر
العدد 10982 السبت 4 مايو 2019 الموافق 29 شعبان 1440

مرةً أخرى راجعت نفسي وسألت: لمَ أكتب في السياسة؟ فأنا رجل عملي أحب البناء والنجاح، فلماذا أتكلم عن مواضيع لم تجلب لنا سوى المآسي؟

لقد تأملت كثيرا في ذلك، لكني وجدت أخيرا أنه لا مفر من التعاطي مع السياسية بكل خبثها وسوداويتها ومآسيها، لأنها تؤثر بشكل شبه كامل على جميع مفاصل حياتنا، العملية والاجتماعية والثقافية وحتى الأسرية، وتحدد قراراتنا على صعيد الأعمال، فالسياسة تغير الحاضر وترسم المستقبل، ولا يمكن العيش والتخطيط واتخاذ القرارات بمعزل عن تأثيراتها.

لقد تحول التلفاز من وسيلة للترفيه إلى وسيلة لنقل المآسي، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وبتنا في عصر لا مفر أمامنا من متابعة الأخبار، حتى تلك التي تأتينا من خلف المحيطات. بالإمكان طبعا إهمال الأخبار وعدم الاكتراث بها، لكن هناك مقولة صادقة مفادها «إذا ما اشتغلنا بالأخبار، الأخبار بتشتغل فينا»، بل ربما تدمرنا.

أتابع الأخبار وأتعجب من حيتان السياسة في بلادنا، خاصة تلك التي ضربتها موجات الخريف العربي، وأرى كيف أن ثوراتنا المزعومة عملت على استبدال طغمة سياسية فاسدة بجماعات سياسية أكثر فسادا وأكثر شهوة للسلطة والتسلط والمال، وأقل خبرة ودراية في إدارة أمور الدولة، فخرجنا من الظلام إلى الظلمات.

يقال إن حاكما قام بمعاقبة أحد وزرائه الفاسدين بأن أمر بطلاء جسده بالزيت وتعليقه على عمود في البراري، وما هي إلا فترة وجيزة حتى ملأ الذباب جميع أنحاء جسد الوزير العاري.

وعندما حل الليل تسلل إلى الوزير أحد حراسه الأوفياء وقال له: «مولاي، جئت لأزيح هذا الذباب المزعج عن جسدك الطري»، لكن الوزير أمره بل توسل إليه ألا يفعل، وقال له: «يا بني، هذا الذباب الذي تريد إزاحته شبع مني، وباتت لسعاته أقل ألما، وقد اعتدت عليه، فلماذا تريد استبداله بذباب أكثر شراهة وشراسة وألما؟».

أكتب هذه الكلام فيما نحن نشهد تغيرات كبيرة في بلدين عربيين كبيرين هما السودان والجزائر، والذين أتمنى لهما كل الخير، ولا أريد أبدا أن أراهما يكرران تجربة ليبيا أو سوريا أو غيرها من دول الخريف العربي، فقد ثبت أن البلدين فيهما فساد كبير، وتجري إحالة الفاسدين للمحاسبة، وأنا متفائل بأنه سينتج عن الثورتين المثاليتين في السودان والجزائر إدارة مدنية جديدة فعالة وقادرة على تجنيب البلاد انتكاسة أخرى، فلا الجزائر تتحمل، ولا السودان يتحمل، ولا حتى أنا بت قادرا على تحمل أية انتكاسات مشابهة.

مع كل ظهور علني لفاسدين في بلدان الثورات العربية، أسأل نفسي: لماذا هذه الشراهة في نهب أموال الشعوب الفقيرة المغلوب على أمرها؟! ملايين بل مليارات الدولارات في البنوك الأجنبية بل وحتى في بيوت الفاسدين وفي غرف نومهم، وقصور ويخوت وأطنان من المجوهرات والساعات والنفائس والملابس! هؤلاء اللصوص الفاسدون هم أعيان البلد، وكل شيء تحت تصرفهم، ويعيشون حياة بذخ وترف وسط حاشية ترافقهم في حلهم وترحالهم، فلم يكتنزون كل تلك الأموال؟ لمَ يصرون على الأخذ فقط دون العطاء؟

كيف يعيش المسؤول الفاسد في قصر تطل شرفاته على أكواخ البؤساء؟ كيف يستمتع بما لذ وطاب من الأطعمة فيما التلفزيون أمامه ينقل له صور الجوع في بلده؟ كيف يستمتع بقراءة كتاب فيما هو يرى الجهل والجهلة في كل مكان حوله؟ كيف يمكن أن يستمتع بسيارته الفارهة في بلد ليس فيه طرقات؟!

في لبنان مثلا يتحدثون كثيرا عن الفساد والفاسدين، والمشكلة أن لبنان بلد العجائب فيه أفضل القوانين والقضاة، لكن فيه أمكر الدهاة الفاسدين، والذين يسرقون قوت الشعب في وضح النهار، وأي شعب؟ شعبهم الذي خرجوا من بينه ليخدموه، فيما رائحة القمامة تزكم أنفوهم.

هل هي عبادة المال؟ إن المال سيد سيئ وخادم مطيع، فلمَ نجعل منه سيدا علينا؟ المال مثل أي شيء آخر في هذه الحياة، إذا سعيت خلفه واستخدمته بعقل وحكمة أصبح مصدر سعادة لك، لكن إذا فقدت السيطرة على نفسك أمام شهوته صرت عبدا له.

ربما يكون حب السلطة، حب السلطة الذي يفضي إلى الجنون، وكل الطغاة الذين أعرفهم بدأوا حياتهم من بين الجماهير الكادحة يهتفون باسمها، ويقولون إنهم وصلوا إلى السلطة من أجل استعادة حقوقها السليبة من براثن الاستعمار والاستبداد، ثم ما لبثوا أن أصبحوا أشد ظلما وقسوة واستعلاء وتكبرا، وملؤوا البلاد جورا وظلما.

لقد ولد معمر القذافي في خيمة، لعائلة شبه معدومة، كما عاش صدام حسين طفولة صعبة وكان يتيم الأب، لكن عندما وصلا إلى السلطة تشبثا بها حتى آخر نفس، ورفضا إنقاذ بلديهما الذين تحولا إلى الدمار الذي نشاهده الآن.

أتمنى أن أرى ذلك اليوم الذي تتوقف فيه ألاعيب السياسية القذرة، ويتم توجيه الإمكانات نحو التنمية، وأن يتم زرع مبادئ الصدق والأمانة في النشء منذ الصغر، وأن تسود مبادئ الشفافية والنزاهة، وأن ندرك جميعا أن على الطاولة طعاما يكفي الجميع، وأن من يأخذ أكثر من حاجته سيصاب ليس بعسر هضم وارتباك معوي وفكري فقط، وإنا سيرتفع لديه شعور النهم للمزيد، والمزيد والمزيد، فيما يرى إخوته يتضورون جوعا وألما.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها