النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الحب باعتباره صدفة ماورائية:

حادث مرور عاطفي في السماء السابعة!

رابط مختصر
العدد 10979 الأربعاء 1 مايو 2019 الموافق 26 شعبان 1440

قالت بعد 30 عاما من حوار كان قد بدأ ولم ينتهِ، أيام اعتراك الأفكار والرؤى بين العقل والروح، وبين المادة والمثال: 

-.... أذكر أنك حدثتني عن عالم المثل أو الروح من ضمن مثالياتك الكثيرة التي درجت على التنظير لها، وكنت أضحك منها كل الضحك، لأنها كانت تبدو لي مثل خرافات الجدات عن عالم الاساطير. ومن ذلك أنك كنت ترجع عاطفة الحب إلى ما يشبه الصدفة الماورائية، وتصف الحب بأنه (حادث مرور عاطفي). وإنني اليوم، وبعد-عقود من الرحيل عبر الجهات الأربع، وبعد تشريق وتغريب، ونجاح وخيبات-قد بت مقتنعة بأن العالم مقسم بالفعل -كما الإنسان- إلى (عالم للروح) و(عالم للمادة)، تماماً مثلما قسمه أفلاطون، ومثلما قسمته الأديان من قرون عديدة. وقد اقتنعت، بعد فوات الأوان، بأن بين العالمين صراعا أبديا لا يهدأ ولا يفتر أبدا. فهذا الطرح المثالي، وبالرغم من طابعه الخيالي، أصبح يستهويني ويعجبني، لا يهمني ما يردد الماديون من أنه طرح مثالي وسطحي. وباختصار فإنني أصبحت أجد نفسي في هذا الطرح انقاذا للإنسانية الانسان وإخراجه من عالم الحيوانية إلى عالم الروح المجردة. ولذلك أجدني مرتاحة في هذه القناعة مهما كانت ساذجة. 

 

قلت: من المفهوم أن يتغير الإنسان ويراجع أفكاره ورؤاه، وما أصابك من تحول في القناعة قد أصابني أيضا، فلم أعد أؤمن ولا أتمثل بالمثالية، ولا بالنظرة الافلاطونية التي أكد تاريخ الناس بأنها بائسة تماما. فتاريخ الإنسان هو تاريخ الصراع بين قطبي رحى ثنائية. فهي بين تاريخه النزوع الدائب نحو المثل، أي نحو العنصر النوراني في تكوينه الإنساني، وبين النزوع إلى الغرائز والحاجات التي تنزل به إلى أرض الواقع.

وبعيدا عن الصياغة الفلسفية - فإنني بت اعتقد اعتقادا كأنه اليقين - من واقع الثقافة والتاريخ والمعاينة للتجربة وتفحص تاريخ الإنسان عبر القرون - أن تاريخ الإنسان هو بالدرجة الأولى تاريخ الغرائز والرغبات (بما في ذلك التاريخ الصراعات بكافة أشكالها)، ولعلنا في هذا نقارن بالحيوانات، ولكن الحيوانات كائنات غريزية خالصة ولذلك فهي أكثر مباشرية وصدقا من الإنسان الذي يمتلك القدرة على التصعيد والتمويه بحكم امتلاكه لملكات العقل والخيال، وبحكم أنه جعل من الثقافة والتقاليد قيدا يحكم سلوكه الظاهر. ولذلك فإني أصبحت أؤمن بأن الصراع الحقيقي في الإنسان هو بين الطبيعة والثقافة، وأن الشعوب المتقدمة تمتاز علينا بالقدرة على تقليص المسافة بين الطبيعة والثقافة، وهي لذلك تبدو أكثر صدقا ومباشرة ووضوحا في التعبير عن رغباتها وعن أفكارها في ذات الوقت، أما نحن، فما نزال نعبر عن كل شيء يخص جسدنا أو رغباتنا ومشاعرنا وحتى بعض أفكارنا بواسطة التمويه والتورية والمجاز اللغوي، لأننا نعيش في دائرتي الخوف والالتباس والتردد وقلة الحسم، خوفاً من قوة الضغط الاجتماعي - الثقافي.

وإذا ما رجعنا إلى موضوع العواطف الذي كان مدار حديث قديم جدا، فقد ميز أفلاطون في نظرية المُثل بين عالم المُثل وعالم الحس، فالحياة في عالم المثل روحانية سابقة للحياة الحسية تلتقي فيها الأرواح قبل أن تتلبس بالأجساد، وفي العالم الحسي تبحث الأرواح عن بعضها البعض في رحلة شوق، وتبدأ هذه الأرواح التي سبق لها أن تعارفت في العالم العلوي تبحث عن بعضها البعض، مثل الذرات المتناثرة في الكون تفتش عن بعضها البعض حتى تلتقي وتتكامل، ويحصل عندها ما يسمى التوازن الكوني، وفي حال تطور الانجذاب بين الجنسين بسبب توافق ذراتهما يتحول ذلك إلى حب قد يستمر إلى الأبد وخاصة عندما تتكامل الروح مع الجسد.. وتفسر هذه النظرية الحب بـ«لاعقلانية» أي أنه لا يمكن وصفه بأنه تصرف حكيم أو رشيد أو تسلسل عواطف منطقي، يقوم على أنواع التوافقات المعلومة والتي يمكن أن تخضع للدراسة العقلية المنطقية.

إلا أن العلماء اليوم يقولون إن الحب عبارة عن ظواهر كيميائية تنشأ في داخلنا، حيث يفرز جسم الإنسان عندما يحب مواد كيميائية تدفعه تجاه شخص معين دون سواه، وعندما يحصل الانجذاب يفرز المخ مواد كيميائية تجعلنا نشعر بالسعادة أو الارتياح نحو ذلك الشخص في تلك اللحظات الرومانسية المغمورة بفيض من الإفرازات الكيميائية التي ينتجها الدماغ والتي تسري عبر الأعصاب وتجري في الدم، فيشعرون بالحب والغيرة والشوق والانتظار واللهفة والغضب. ويوجد اليوم من بين مجالات الدراسة العلمية مبحث كامل حول هذا الموضوع، وتوجد مئات الدراسات الجينية والكيمائية والسيكولوجية التي تفسر الظاهرة التي لا علاقة لها برغبة التملك التي كثيرا ما يتم الخلط بينها وبين الحب، أو حالة سلطة العادة التي قد توهم بوجود الحب في حين أنها مجرد إدمان يمكن التحرر منه تماما مثل إدمان التبغ والكحول، وهكذا عندما ينتهي الحب بداخلنا، ويتركنا في غمرة الحزن والضيق، لكن ستبقى هنالك فسحة جديدة لأمل جديد، ولحياة جديدة تنتظرنا ولم نكن لنراها لحظة خيبة الأمل. هنالك دوما صباح جديد نفيق فيه ونحن أحرار، لا ننظر خلفنا إلا للذكري، ونبدأ نستعيد حريتنا التي فقدناها في سكرة الحب.

 قالت: سبحان الله مغير الأحوال! وإلا كيف نتبادل المواقع، وكيف تنقلب الأمور راسا على عقب. أذكر أنني اتهمتك بالمثالية، والتهويم الخيالي، ولكنني اليوم وبعد تأمل ومراجعة، تبدو لي المثالية مريحة، حتى وإن لم تكن صحيحة بمعيار العلم. واعترف هاهنا أنني تسرعت حينها في اتهامك، فأنا اليوم لم أعد أؤمن بأن الإنسان ينتهي بفناء جسده، وأن الانحلال والاضمحلال والموت هو نهاية. بل أصبحت أعتقد أن الذات المرتبطة بالروح تعلمنا أن المتعة الروحية هي الهدف الأسمى في الوجود الإنساني، كما هي التي تبين لنا السبل والوسائل التي يمكن من خلالها الحصول على السعادة الدائمة، وذلك خلافاً للمنظور المادي للحياة والموت ولكل شيء تقريبا.. فالروح وحدها تفتح أمامنا السرمدية والخلود، والإحساس بالسعادة الدائمة. ولذلك ما زلت، رغم كل التحولات والخيبات، أرى الحب كأكثر تجارب الحياة مساساً بإنسانية الإنسان، فما هو إلا انتصار على الموت والفناء. كما أن الموت نفسه قد يكون انتصارًا للحب. فالإنسان يدرِك في نهاية المطاف أن الموت ينطوي على سر فريد، هو الحب النابِع في الحياة الأبدية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها