النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مواجهة الاستهتار العام

حماية وحدة المجتمع وسلمه الأهلي..

رابط مختصر
العدد 10977 الاثنين 29 أبريل 2019 الموافق 24 شعبان 1440

كنا منذ أيام بصدد مناقشة التأثير المتزايد «للسوشل ميديا»، فعلق أحد الأصدقاء من المخضرمين في المجال الإعلامي: «إن السوشل ميديا، قد أصابت الناس بحالة من (الجنون)، لأنهم يباتون ويصبحون جالسين أمام هذه المنصات، يتفاعلون ويرسلون ويعيدون إرسال مواد متنوعة حتى قبل مشاهدتها أو قراءتها. المهم بالنسبة إليهم هو المساهمة في استمرار دوران هذه المعلومات والفيديوهات والمقاطع الصوتية والصور وغيرها، بغض النظر عن مدى صحتها أو دقتها أو عن الآثار التي يمكن أن تترتب عليها على صعيد الأفراد أو المجتمع وأمنه. الدوران المستمر وعدم التوقف ليلا نهارا، هو في ذاته هدف مهم، فهنا، لا قانون يحكم، ولا منطق، ولا حتى قيم في الكثير من الأحيان. إنها حالة من الانفلات العام المغري بسهولته وانسيابيته وما قد يقدمه من إبهار، من دون قيود أو شروط».

قلت: أتحفظ شخصيًا على وصف الاهتمام بهذا النوع من الإعلام بأنه حالة من الجنون، بالرغم من بعض سلبيات استخدامه من قبل البعض. فقد جاءت هذه الوسائل لتفتح الباب على مصراعيه للتعبير المفتوح، ولتجاوز القيود والضوابط التقليدية للتعبير، بما في ذلك الضوابط القانونية. وإذا كانت هنالك هنات أو سقطات أو محاذير فيفترض أن يضبطها القانون لا أكثر ولا أقل. 

قال: لا شك أن وجود إعلام حر ضرورة في أي مجتمع ديمقراطي أو يروم أن يكون ديمقراطيا، فبدون هذا الإعلام تبقى الحرية منقوصة. فالإعلام في الدول الديمقراطية خرج منذ فترة طويلة جدًا من تحت السيطرة الرسمية، وبقيت القواعد المهنية ومدونات السلوك والقوانين هي الفيصل في التعامل مع جنوح الإعلاميين، ومع ذلك فإني أميل إلى الأخذ بمرجعية المسؤولية الاجتماعية في التوفيق بين استقلال وسائل الإعلام والتزاماتها تجاه المجتمع وتجاه القيم والثوابت التي تحكم استقرار المجتمع وسلمه الأهلي ومصالحه العليا.

قلت: إن الحديث هنا يجري حول الإعلام التقليدي ووسائله العادية، من صحف ومجلات وإذاعات وقنوات تلفزيونية، وهي جميعها مرخصة بشكل رسمي، وتخضع للأنظمة والقوانين، ولذلك لا يشكل وجودها أي إشكالية تذكر على صعيد اضطلاعها بالدور الإعلامي الحر، مع الالتزام باحترام القانون. ولكن المشكلة تبدأ مع هذا النوع الجديد من الإعلام التفاعلي سريع التأثير والاستجابة، والذي يعتمد على هذه الوسائل التي لا يحتاج امتلاكها أو تشغيلها إلى ترخيص خاص، ولا حتى إلى الضوابط التقليدية العادية، باستثناء الضوابط العامة الناظمة للسلوك الإنساني، ومستوى القيم التي تحكم الفرد. ومع ذلك فمن المهم هنا الاعتراف بأن هذا الإعلام الجديد قد أصبح قادرًا على تجاوز المؤسسات التقليدية والأحزاب معًا، بما منحه للفرد حق استخدام وسائل الاتصال والتواصل طبقًا لاحتياجاته، ووفقًا لمنظوره، بعيدًا عن السيطرة المياسرة أو غير المباشرة، مهما كان شكلها. كما أن الادعاء بأن الاتصال والإعلام أهم من أن يتركا لغير المهنيين، لم يعد مقبولاً في عصر الثورة الاتصالية التي تجتاح العالم اليوم. ولكن، وفي المقابل، يبقى السؤال الأكثر أهمية هو: هل يعتبر محاسبة بؤر التوتير والتلفيق الإعلامي ممارسة مضادة للحرية الإعلامية مثلا؟ أم أن الترشيد لا ينفع في التعامل مع الإعلام الجديد في ضوء الانفلات الكامل من الرقابة في ظل السماوات المفتوحة وثورة الاتصال التي أنهت الاحتكار الرسمي أو شبه الرسمي للإعلام والمعلومة؟ ومع ذلك فإن سؤال الحرية يظل مشروعًا بلا شك، كما أن المخاوف من التضييق تظل ورادة كذلك، بالرغم من صعوبة التضييق أو استحالته في بعض الأحيان.

قال الصديق: ولكن ما العمل في حالات الاستهتار العام الذي قد يلحق الضرر بوحدة المجتمع وسلمه الأهلي؟؟ فهل يترك الأمر إلى أن يتكرر انفجاره في وجوهنا جميعًا مثلما حدث في أكثر من مناسبة؟

قلت: المسألة مسألة وقت، فالحرية هي الأصل وهي قرينة المسؤولية، والمسؤولية يحددها القانون، وترسمها القيم. ولكي يتعلم ممارستها بالشكل الصحيح والمتوازن يحتاج الأمر إلى وقت وإلى تربية وتنمية سياسية، وعندها سيتحقق التوازن المنشود بين طرفي المعدلة بشكل تدريجي.

قال الصديق: هذا التحليل قد يكون مقبولاً لو أن العملية تجري فوق خشبة مسرح يمكن التحكم فيه، ولكن هذا الذي يجري على الأرض، وفي المنتديات وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي كافة الفضاءات الأخرى الخارجة عن أي سيطرة قانونية أو أخلاقية أو مهنية، لا يحكمه ميثاق شرف مهني في صورته الابتدائية لأن المشتغلين في هذا المجال ليسوا من المهنيين أصلاً.. ولذلك فمن الصعب ترك الأمر للزمن وحده ليحسمه وفقًا لآلياته الخاصة، دون تدخل الإنسان، فهذا المنطق يدفعنا إلى التساؤل: إلى حين الوصول إلى اللحظة المنشودة ما الذي يجب أن نفعله حتى ذلك الوقت؟ فإن الحرية اليوم تبدو في طريق مفتوح من دون حدود أو قيود. حتى لو كانت حرية وحقوق الآخرين، وبهذا المنطق لا تحترم، ولا يمكن منع أي شيء من الحدوق: (الفوضى، السب والشتم، التعدي على حريات وخصوصيات الآخرين...)، وإذا ما تم انفاذ القانون، فإن المنع يكون وقتها مرادفاً القانون قيل لنا هذا لقمع للحريات. والسؤال هنا: ما هو الحد الفاصل بين الحق والباطل؟ وما هو الوسط المتوازن؟ 

قلت: الجواب يبدأ بحد الحرية نفسه التي ضمنها الدستور، ووضحها القانون، ورسم حدودها. فحرية التعبير هي «حق الأفراد في التعبير الحر عما يعتنقون من أفكار دون أن يكون في ذلك مساس بالنظام العام وحقوق الآخرين». لذلك هناك ارتباط وثيق بين حرية الرأي وحرية الفكر والاعتقاد عندما تتجاوز الفكرة التي يؤمن بها الشخص إلى مرحلة إشراك الآخرين فيها والدعوة إليها. ومع ذلك فإنني أرى أنه لا يجب أن نخاف من الحرية أو نصاب برعب منها ومن نتائجها، مع أنه لا خلاف حول أن هذه الحرية مقيدة بالضرورة بالقانون وبالقيم. وعند إنفاذه بمنع الممارسات الخارجة عنه لا يمكن أن نتحدث في هذه الحالة عن «قمع» أو تضييق، لا بالمعنى القانوني ولا بالمعنى السياسي ولا بالمعنى الأخلاقي، لأن القانون -مهما كان ناقصاً- يضمن التوازن بين الحرية والمسؤولية. وهنا تقع المسؤولية على عاتق الجميع، لأنها معادلة إنسانية تقوم عليها فكرة المجتمع الحر والمسؤول في ذات الوقت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها