النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

رمضان هلّ هلالك.. علينا وعليكم شهر مبارك

رابط مختصر
العدد 10975 السبت 27 أبريل 2019 الموافق 22 شعبان 1440

رمضان علينا يعود.. يطل على أمتنا العربية والإسلامية بعد أيام قليلة لنستبشر خيرًا بهلوله، فعندما يأتي رمضان يأتي الفرح، ولكن الإنسان ينسى فقد خلق بطبعه نسايا.. عندما يأتي رمضان تستعد الشعوب له بشراء حاجياتها والاستعداد له، فطوبى لمن صام نهاره وقام ليله ولمن دفع الأجر عن البلاء، لمن أحسن الى الفقراء والمساكين والمعوزين، لكي يشعر هؤلاء بأنهم جزء من هذا النسيج وأن الآخرين يهتموا بهم ويهمهم أن يكون إفطارهم إفطاراً مشمولاً بما يفطر غيرهم.

 بداية، نشكر كل هؤلاء الذين يقومون بعمل الخير، وهؤلاء كثيرون، فمنهم من يقيم موائد الإفطار، فهنا في مصر ترى الكثير من المقتدرين يقيمون تلك الموائد في الشوارع، ليدخلها المارة بالصدفة وقت حلول آذان المغرب ليشربوا ويأكلوا مما هو موجود.. ففي الصومِ فرصة للجميع على أن يعملوا لإنهاء الفقر والجوع وإطعام المساكين وكفالة الايتام، وهنا تكمن أهمية شهر رمضان المبارك. فكما قال رسول الله في خطبته الشهيرة: «تصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقرّوا كباركم، وارحموا صغاركم.. ومن أكرم فيه يتيماً أكرمه الله يوم يلقاه.. أيّها النّاس من فطّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشّهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه».

 فرمضان هو شهر التعاطف مع الفقراء، وهنا نتسلح بخطبة رسولنا الكريم في استقبال شهر رمضان للاستدلال على أهمية وعظمة هذا الشهر، إذ قال: «أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب». فقد أوضحت هذه الكلمات القليلة برنامج كل مسلم صالح ليحقق الشق الديني الايماني، والشق العائلي الاجتماعي، ورعاية الايتام والتكافل بين المسلمين.

 في شهر رمضان نستدرك العبر، ولا أعرف لماذا لا نتحلى بأخلاق رمضان طوال العام ونركز على رمضان فقط في عمل الخير، فيجب علينا أن نجعل طول العام وكل أشهره مثل رمضان، ليس بالصيام فقط ولكن بزكاته، بتآلفه، بالرفق على المساكين، فكل ما يجري في الشهر المبارك لهو دليل على صلة الرحم والجود والكرم والإحسان، فهذه النظرة الإنسانية الى المحتاجين والمعوزين تدفع المجتمع لأن يكون أكثر تماسكاً وتلاحماً. وتتماثل أمامنا في هذه اللحظة مشاهد رمضان الجميلة الدالة على تبادل المنافع والإكرام عند الفطور بين الجيران والأقارب، حتى يأتي آخره ليخرج الجميع زكاة الفطر التي تعلي من مشاعر المسلمين الحية بالعطف والحنان على الآخرين.

 وإذا تحدثنا عن فضائل شهر رمضان، فأول ما نقوله هو ما حثنا فيه القرآن والسنة على الوحدة، فرمضان يجسد هذا المعنى الجميل طوال أيامه سواء بين الأسرة أو الجيران أو الأقارب حتى في البلد الواحد، فلا توجد أمة في العالم تلتف على طاولة الطعام في وقت محدد يومياً كما نفعل نحن المسلمين، وكذلك لا نجد أمة تمتنع عن الطعام والشراب في وقت واحد يومياً سوى نحن المسلمين أيضا. فرمضان يحثنا على هذه الوحدة والتضامن وأن نكون نسيجاً واحداً لنبقى أقوياء دائماً، وتلك هي وظيفة ومهمة المسلمين في خلافة الأرض كما أرادها المولى عز وجل. وتؤكد السنة النبوية هذا المعنى الجليل بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، فوحدة المسلمين والتي تتحقق في رمضان وسيلة لإمكانية إتمام معنى الخلافة تنفيذاً لقول رسولنا الكريم «إن المسلمين يد على من سواهم».

 ولعل من مظاهر الوحدة بين المسلمين في هذا الشهر الفضيل، الإجماع على موعدي الإمساك والإفطار فجراً وغروباً بما يؤكد حرص الرسالة النبوية على بناء وتمتين عناصر الوحدة، إذ إن شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي تلتف فيه الأسرة حول مائدة واحدة، بعد أشهر من الفراق والأكل فرادى ليتحقق هذا المعنى في شهر واحد في العام.

 ومن المأكل الى الصلاة، حيث يجتمع المصلون على أداء صلاة التروايح، لنشهد تلك الحشود الكبيرة من المصلين التي لا تجتمع هكذا سوى في ليل رمضان، وتزيد هذه الصلاة جموع المصلين إيماناً وابتهالاً لرب العالمين، فلو صلى كل مسلم صلاة القيام منفرداً لما تعايش مع هذه اللحظات الإيمانية الجمعية وتذوق هذا المذاق الإيماني الذي يسمو بالنفس ويعلو بها عن الغلو والتطرف، فهي مشاعر إيمانية لا يحققها سوى عبادة جماعية وجامعة.

 ومن مظاهر الوحدة بين المسلمين في هذا الشهر الفضيل، ما نلقاه في المساجد من اجتماع المصلين على تعلم القرآن وتدبر معانيه وتلاوته، وهي عادة لم نعهدها خلال بقية العام، ولكننا نحققها في رمضان فقط تنفيذاً لما قاله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم». وبهذا تستزيد القلوب انشراحاً بتلك الحلقات القرآنية لتنشرح الصدور، حتى تأتي ليلة القدر التي تنتظرها كل أمة وتعتبر من أعظم معاني الوحدة في شهر رمضان.

 وإذا كان رمضان شهر الخير والبركة، فنتمنى لهذه الأمة العربية والإسلامية المتشرذمة المتفككة الاتفاق على كلمة سواء، كلمة حق.. لماذا لا تكون هناك الألفة بين الشعوب؟.. لم لا يسود الأمن والاستقرار؟.. لم لا تسود الطمأنينة؟.. لماذا لا نتعاون في خلق عالم عربي يعد قدوة للعالم الإسلامي؟.. لماذا لا تكون أمة العرب خير أمة أخرجت للناس، فنحن الذين أنزل الله فينا كتابه واختار نبياً منا ليكون خير رسول لخير أمة؟.. لماذا لا نكون يداً واحداً.. فنحن مطالبون بأن نكون يداً واحدة وعلى قلب واحد في هذا الشهر الفضيل.

 ونتمنى أن تلتف القلوب وتتعاون النفوس وأن نعرف من هو عدونا، وهذا العدو هو الذي يتظاهر بالإسلام وبحب الله ولكنه في الواقع لا يحب الله ولا دينه ورسوله طالما يؤمن هؤلاء بالقتل والسفك، فشهر رمضان من الأشهر الحرم، فلماذا لا يكون هذا الشهر مبادرة لأن يعم السلام والطمأنينة في أوطاننا العربية والإسلامية. وأعتقد أن هؤلاء المتطرفين لا يدركون كم شهد رمضان انتصارات للمسلمين، وكم تحقق فيه من الفتوحات الإسلامية، ويكفي أول انتصار للمسلمين وقد حققوه في غزوة بدر في السابع عشر من شهر رمضان في العام الثاني الهجري، وانتصاراتهم في الثالث والعشرين من شهر نفسه في العام الثامن الهجري يوم فتح مكة، فرمضان بحق هو شهر عزة ونصرة للأمة الإسلامية، وعلينا أن نستعيد همتنا وقوتنا لنكون خير أمة أخرجت للناس بحق.

 

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها