النسخة الورقية
العدد 11093 الجمعة 23 أغسطس 2019 الموافق 22 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

الأنصاري.. خلاصة القول..

التبسيط والسطحية يفسدان اللغة والثقافة معًا

رابط مختصر
العدد 10972 الأربعاء 24 أبريل 2019 الموافق 19 شعبان 1440

كنت من الذين يتابعون مشروع الدكتور محمد جابر الأنصاري الفكري، منذ بداياته الأولى، بالاطلاع على أهم إصداراته الفكرية العديدة، او عبر على ما كان ينشره في المجلات المتخصصة أو في الصحف العربية، إضافة إلى حواراته وتعقيباته التي كان يعلق فيها على معاصريه من المفكرين العرب، من أمثال (محمد عابد الجابري - محمد عمارة - عبدالله العروي - هشام جعيط - زكي نجيب محمود - وجورج طرابيشي..) أو غير العرب، من أمثال المفكرين الأمريكيين الأكثر شهرة: صامويل هنتنجتون وفرانسيس فوكوياما، وكثيرًا ما كان يرد عليهم أو يسائلهم بالدليل والحجة..

كما حظيت في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا في العام 1989، بالتعرف على الأنصاري الأكاديمي والمفكر بشكل مباشر، وبفرصة الجلوس إليه. فكانت لي معه عدة لقاءات فكرية في مكتبه بجامعة الخليج العربي، كان آخرها مع بداية إطلاق المشروع الإصلاحي، حيث سألته حول مشروعه الفكري كاملاً، ونشرت خلاصة تلك المساءلة الفكرية في مجلة العلوم الاجتماعية الكويتية في عددها الثلاثين في العام 2002م، فكان هذا الحوار الفكري المطول خلاصة مركزة لأبرز رؤى الأنصاري وأفكاره التنويرية. كما نشرت حينها خلاصة مركزة لتلك الرؤى في صحيفة الأيام. 

وفي خاتمة هذه المقالات التي خصصتها للاحتفاء بالعطاء الفكري لمحمد جابر الأنصاري، وللفت انتباه الجيل الجديد إليه، أحببت أن أتوقف عند أمرين أراهما في منتهى الأهمية بالنسبة لمن يروم مقاربة مشروع الأنصاري، من منظور فكري وسياسي وأكاديمي:

- الأمر الأول: على صعيد علاقة الفكر بالسياسة، يلاحظ أن الأنصاري - إضافة لكونه قامة فكرية وأكاديمية كبيرة - كان له دور تنويري فاعل وحي في جميع مراحل تطور المجتمع البحريني المعاصر، ضمن التطور العام للمجتمعات العربية المعاصرة، وأنه لم ينزوِ قط بعيدًا عن الحراك الاجتماعي، وفي جميع اللحظات التاريخية المهمة والحرجة كان موجودًا وصوته مرتفعًا. ولم يلذ بالصمت مثلما فعل آخرون، ولم ينخرط قط في موجة التهويمات اللغوية الفارغة التي تروم الهروب من مواجهة تعقيديات الواقع واشتباكاته، بدعوى أنه لا يريد الانخراط في هذا الموضوع او ذاك. خاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضايا وطنية أو قومية حيوية، تتطلب تجنيد كافة الطاقات وراء مشروع وطني أو قومي سياسي أو فكري للدفاع عن المصالح الوطنية أو عن هوية الأمة ومقدراتها. بل كان حاضرًا بكل قوة ووضوح وشجاعة ونزاهة. فهنا لا مجال لافتعال تسويات لغوية أو خزعبلات فلسفية، لتبرير الهروب من مواجهة اللحظة التاريخية الحرجة، أو لتبرير تجنب الانخراط في معركة لابد من خوضها. فقد كان داعمًا للنهضة العربية، ولأشواق العرب في الوحدة والحرية والديمقراطية والتنوير. ورأيناه عندما انخرط مع المشروع الإصلاحي، صوتًا واضحًا، مع النهوض والشراكة والوحدة الوطنية ومع الحرية والديمقراطية، من أجل أن تكون البحرين العربية واحة للحرية والديمقراطية والتنمية والتعايش والسلام، ورائدة كما كانت دائمًا. ورأيناه عندما تعرضت البلاد إلى التآمر، وعندما انكفأ عدد من المحسوبين على الفكر والثقافة على ذواتهم الخاصة، ولاذوا بصمت مريب، يبررونه بنوع من التعالي الفكري والإبداعي، أو بما يشبه «النأي بالنفس» في معركة وجودية، لا مجال فيها للحياد، بما يعكس سلبية لا تغتفر، بمعيار الاستحقاقات التاريخية، حيث وقف الانصاري ضد التيار الذي أراد أن يغرق البلاد، ودعا إلى امتلاك الشجاعة على مواجهة الأخطاء، حيث إن ربيع البحرين قد بدأ منذ 2001م، أي قبل عشر سنوات من الربيع العربي، ونشر التفاؤل وجمع قلوب الناس من كل حدب وصوب، ودفع بمكانة البحرين عالياً في كل محفل. كما رأينا الأنصاري مفكرًا وطنيًا دافع عن المشروع الإصلاحي بشجاعة، وأسهم في التقييم والمراجعة وإنارة الطريق بفكر حصيف، وبنزاهة. 

وعلى صعيد العلاقة بين الموقع الفكري والأكاديمي للأنصاري، وبين الموقف السياسي، وخاصة من خلال علاقته وموقفه من المشروع الإصلاحي لجلالة الملك. فقد كان له شرف خدمة هذا المشروع الحضاري، وواكب رؤية هذا التوجه منذ بدايته الأولى، وعايشه فكرًا وحقيقة وطنية على الأرض. مع حرصه على الاحتفاظ بموقعه كأكاديمي وككاتب ومفكر مستقل. وهذا دليل على نوعية العلاقة الجديدة بين القيادة السياسية وبين المثقفين في البحرين في ظل الملكية الدستورية المستنيرة. انطلاقًا من قناعة كثيرًا ما عبر عنها الانصاري من دون تردد، وهي الحاجة إلى تجسير الفجوة بين الثقافي والسياسي، إذا ما أردنا تجديداً لحياتنا الفكرية ولحياتنا السياسية على وجه الخصوص. فالتخوف الشائع بأن يصبح المثقف تابعاً للسلطة، لا يجب أن يجهض احتمالات الحوار والتعاون بين السلطة المستنيرة والمصلحة، وبين المثقف الواعي المبدع الصادق المخلص، من أجل المصلحة العامة وتطوير المجتمع. هذا ما ينبني عليه فكر الانصاري كما عرفته ودرسته، خاصة بعدما رأى المبادرات التاريخية لجلالة الملك، والأبعاد الرحبة لمشروعه الوطني الإصلاحي. فقد كان من أوائل مثقفي البحرين الذين أسهموا بتواضع في بناء هذه العلاقة الصحية بين القيادة والمثقفين، والتي من أهم أسبابها الاستعداد الدائم للقائد للاستماع إلى مختلف الآراء الهادفة لمصلحة البلاد، وحرصه على توفير الحرية لها.

- الأمر الثاني: على الصعيد الأكاديمي عمل الأنصاري خلال مسيرته الطويلة على بناء التوازن بين المعرفة العلمية وبين الإبداع الفكري والأدبي والفني، حتى تكون الجامعات منارة للفكر وللإبداع، مثلما هي منارة للمعرفة العلمية، بحيث لا يتم تدريس المواد العلمية بمعزل عن الفكر وفلسفة العلوم والقيم والمساءلة والاطلاع على مختلف المذاهب والآراء.(كما كان يقول دائمًا)، ولذلك كان جوهر فكر الانصاري ينهض على تجديد النهضة والفكر، ورفض ثقافة الصوت الواحد التي تؤدي إلى خنق حرية الفكر. فالدور المطلوب من الجامعات هو رفض الاختزال والتبسيط والنظرة الأحادية، والمرجع الواحد، ورفض ما يسميه الانصاري بثقافة التبسيط والسطحية، ومنها ثقافة النصوص السطحية التي تطرح بكثافة على أنها إبداع، في حين أنها تهدد بإفساد اللغة العربية والثقافة العربية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها