النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

لابد من الصين وإن طال السفر

رابط مختصر
العدد 10972 الأربعاء 24 أبريل 2019 الموافق 19 شعبان 1440

أن تقطع المسافة بين أفريقيا وآسيا وتكون وجهتك من مصر العروبة إلى الصين شرقاً فإن المسافة تقدر بـ8809 من الكيلو مترات، وتمضي الساعات طويلة، فتشعر بأن الوقت يتباطأ ولكن تمتع ناظريك بسير الطائرة من على الشاشات وهي تمر ببلدان وجبال وبحار وأنهار، وتقول في بالك مثلما قال الأقدمون «لابد من صنعاء وإن طال السفر»، وهنا تقول «لابد من الصين وإن طال السفر». طريق الحرير القديم الذي تحدث عنه الكثير ولمسنا ذلك وقرأنا عنه الكثير لاشك أنه مر بظروف صعبة ومعقدة ولكن كان العزم والتصميم عند أولئك الأقدمون تعجز عن تفسيره والإحاطة به التصورات الحالية، ولكنها كانت التجارة وتبادل السلع وفتح آفاق للرزق حدت بأولئك سلوك هذا الطريق، واليوم تطرح من جديد رؤية «الحزام والطريق» التي أطلقها فخامة رئيس جمهورية الصين الشعبية «شي جين بينغ» 

لقد وصل التعاون الجماعي بين الجانبين العربي والصيني ومن خلال جامعة الدول العربية إلى مرحلة متقدمة بتوقيع الإعلان المشترك حول إقامة علاقات التعاون الاستراتيجي بين الصين والدول العربية في عام 2010، تلا ذلك التوافق حول الخطة العشرية للمنتدى (2014-2024) والتي تم اعتمادها خلال الدورة السادسة للمنتدى التي عُقدت في بجين عام 2014، وصادفت الذكرى العاشرة لتأسيس المنتدى.

وعُقدت الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري العربي الصيني بنجاح في يوليو 2018 في الصين، بحضور فخامة الرئيس الصيني «شي جين بيغ» وصاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح للجلسة الافتتاحية لأعمال هذه الدورة، وتم التوقيع خلالها على ثلاث وثائق هامة وهي إعلان بجين، البرنامج التنفيذي بين عامي 2018-2020، والإعلان التنفيذي العربي الصيني الخاص ببناء «الحزام والطريق»، حيث تتضمن تلك الوثائق الرؤى المشتركة للقضايا الدولية والعربية، وترسم طريق التعاون للعامين التاليين.

لتمضي الخطى سريعاً نحو تحقيق هذه الرؤية من خلال تكاتف وتعاون تلك الدول والشعوب التي شعرت بأهمية طريق الحرير وأحيائه من جديد بمفاهيم ومعطيات جديدة وقيم العصر، مع الأمل والرغبة في أن يكون التعاون قائماً على المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة، وبشراكة الأصدقاء المجتمعين على هدف واحد.

والمرء عندما يدور في خاطره ويرجع إلى الوراء يعيده بما يشبه «الفلاش بك» في الفنون المسرحية أو السينمائية أو التليفزيونية لا يتخيل عظمة الحضارة القديمة في تواصلها فعندما كنا في متحف البحرين الوطني نرى بعض شواهد هذا التواصل من خلال «اللقى» الأثرية التي وجدت في مقابر حضارة ديلمون البحرين قبل سبعة آلاف سنة قبل الميلاد وتمثلت بقطع فخارية صينية مكتوب عليها لغة صينية قديمة لابد أن يثار تساؤل مشروع ما الذي جيء بهذه القطع إلى مقابر ديلمون، ولكننا عندما ندرك عظمة هذه الحضارة وتشابكها وتواصلها بحكم الموقع وبحكم المكانة التي وجدت فيها كطريق موصل بين الحضارة الآشورية والبابلية والسومرية وحضارة وادي السند وحضارة مصر القديمة الفرعونية. ندرك عظمة هذه الحضارات وقدرتها على التواصل بكل ما تحمله كلمة التواصل من معانٍ اقتصادية وتجارية وثقافية وإنسانية حتى قامت الحضارة الإسلامية بأدوار لا يمكن نسيانها وأثبتت قدرتها على التلاقي من أجل خير البشرية جمعاء.

نحن اليوم أمام فرص للتلاقي الحضاري ربما أكثر من عقود مضت، على الرغم مما تمر به الأمة من محن ومصاعب وعقبات، فالصين تفتح أبوابها وتعيد فكرة هذا التلاقي من خلال مشروع «الحزام والطريق» وعلينا أن نستفيد من هذه الفرص ونهيئ أنفسنا لأن نكون فاعلين ومؤثرين فقد علمنا من حضارتنا إنها لم تكن يوماً عالة على أحد بل كانت منفتحة تأخذ وتعطي وهذا هو المطروح فيما يسمى بالعُرف الغربي بسياسة واستراتيجية الربح المتبادل (Win Win strategy) وليس بمفهوم الربح والخسارة (Win and Lose strategy) وقس على ذلك في كل مجالات التلاقي الحضاري بين الشعوب.

الدورة الثانية للمنتدى الصيني العربي للإصلاح والتنمية التي نظمها مركز الدراسات الصيني العربي بجامعة شنغهاي بمدينة شنغهاي للإصلاح والتنمية بالتعاون مع وزارة الخارجية الصينية خلال الفترة من 15-16 أبريل 2019 وكان لي شرف تمثيل الجامعة العربية في هذه الدورة الثانية للمنتدى الصيني العربي للإصلاح والتنمية، وجدت حماساً لدى المسؤولين العرب الحاضرين والمشاركين الفعليين، كما وجدت حماساً لا يقل عن ذلك لدى المفكرين والمحاضرين وأساتذة الجامعات ومن مراكز البحوث العربية للتعاون مع الصين في تحقيق رؤية «الحزام والطريق» وكان، يقابل ذلك طبعاً، حماساً ورغبة صادقة من الصينيين المنظمين لهذا المنتدى وكافة المسؤولين الصينيين بمراكزهم الرفيعة، وأعجبني قول أحد المحاضرين الصينيين المسؤولين عندما قال بما معناه «إننا نحن الصينيين حالياً نتلقى معرفتنا عن العالم العربي من خلال رؤية الآخرين للعرب، كما أن العرب يتلقون معرفتهم عن الصينيين من خلال رؤية الآخرين عنهم، وآن الآوان لأن نتواصل ونعمل معاً لكي نتعرف على بعضنا بعضاً مباشرة ودون وسيط» وأحسب أن هذه رغبة صادقة تحتاج منا إلى أن نقف منها موقفاً إيجابياً ونحن قادرون على ذلك وكل ما نحتاج إليه هو مواصلة هذا الطريق برؤية ثاقبة وبمشروع حضاري مشترك وبرنامج عمل يأخذ صفة الديمومة وبتواقيت محددة وبمشاريع ملموسة على الأرض تشارك فيها الحكومات والمؤسسات والشركات ورجال الأعمال من الطرفين مع مواصلة هذا التواصل بالتناوب في الصين وبلداننا العربية على إتساعها ومن خلال جامعة الدول العربية «بيت العرب».

في الصين اليوم رؤية جديدة، والصين التي مدت يديها لكل البلدان والشعوب وبتواضعها بتكرار قولها «إنها دولة نامية»، بينما نحن نراها بدولة متقدمة بها كل مقومات وشواهد التطور الإقتصادي والتجاري والعلمي والتقني والعسكري والحضاري وتغيير في كل مناحي الحياة وإعتمادها على الشباب مع حكمة الشيوخ وكبار السن وهي من ثقافة وشخصية الصين، وأحسب إننا مدعون فعلاً للاعتماد على شبابنا وإبداعاتهم وإنجازاتهم، وإذا كانت الصين اليوم تسوق نفسها ومنتجاتها، فنحن مدعون أيضاً لأن نسوق أنفسنا ومنتجاتنا وما يمكن أن ننتجه وقادرين بالفعل على إنتاجه..

لم يكن مستغرباً أن نرى شباباً يافعاً من الجنسين في الجامعات الصينية وهم يقومون بأعمال تطوعية لتسهيل أعمال المنتدى والمشاركين فيه وقادرين على التخاطب بالعربية الفصحى ودارسين لها في معاهد اللغات بجامعة شنغهاي وأن يسموا بأسماء عربية، كشادية، وسلمان وفاطمة وثابت بالإضافة إلى أسمائهم الصينية.

إن الصين بتجربتها الحالية وبرؤيتها المستقبلية تفتح آفاقاً للتعاون يمكننا أن تستفيد منه حكومات وشعوب وأفراد. وقد أسعدني كثيراً عدد الدارسين العرب الذين يدرسون اللغة الصينية والثقافة الصينية ومختلف العلوم في الجامعات الصينية، ومنهم مبتعثين من جامعة الدول العربية ضمن برنامج تدريب القدرات البشرية، وهذا من شأنه مستقبلاً أن يفتح آفاقاً للتعاون لا حدود لها إن تم التخطيط الجيد والمتابعة.

تظل تجارب الشعوب والأمم وما تحققه من إنجازات متسارعة مجال للتأمل والتفكير الإيجابي والسير على خطى النجاح هو المطلوب في مستقبل أيامنا. 

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها