النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بكاء كوازيمودو الأحدب

رابط مختصر
العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440

ماذا يعني أن تكون متحضرًا ومؤمن بالحضارة والانسانية بمعناها النبيل؟ المعني العميق لكل ما علمتنا إياه الثقافة العالمية وتحول تلك المباني والمواقع الاثرية والتاريخية ملكا وتراثا بشريا كونيا كما علمتنا إياه منظمة اليونسكو. ليس بالضرورة أن تكون فرنسيًا او باريسيًا وحسب لكي يعصرك مشهد حريق الكاتدرائية التاريخية العظيمة وهي تحترق ولا احد قادر على إيقاف «مجزرة النيران». كنت، وحتمًا مثلي الملايين تابعوا عبر شاشات التلفاز ذلك المشهد المؤثر كون الانسانية جمعاء تخسر واحدة من أهم ممتلكات الانسانية بمعناها الرمزي والثقافي والحضاري. 

قد لا يفهم البليد، بليد الحس والمشاعر تلك اللغة التي أعنيها وأحسها أمام كل ما هو مأساوي وكارثي. كنت أهمس لنفسي وقد أبدوا في لحظة ما أؤمن بما كتبه وقاله الفيلسوف الالماني نيتشه عن ذلك الانسان «مفرط الحساسية» حين تنساب الدموع الانسانية عند لحظة الألم العميق الأكثر شموليةً وتماساً بانسانيتنا. 

كنت قبلها بأيام بنفس الفجيعة الانسانية أتابع أخبار الفيضانات والسيول في الاهواز، وكيف أغرقت المياه بيوتًا وزرعًا وضرعًا وبشرًا عاديين لا يعرفون مساحة من الدنيا إلا مساحة بيوت جيرانهم الطينية وأسماء مجهولة في قواميس الذاكرة الانسانية، فيما باريس كانت لا تغرق في الماء ولا تغرق من اضرابات «الانارخيين الجدد !» وإنما كانت على النقيض من مشاعر زرادشتية ونيروزية وبرميثيوسية، فالقداسة في لحظة الوجع لا نحبها لا لقدسية الماء ولا لذلك اللهيب المميت المدمر. 

هل فرحت آلهة النار والماء بكل ما فعلته من أعاصير التدمير لكي تتألم الانسانية أينما تكون وبدرجات معينة من كوارثها المفجعة والموجعة.

 من تطأ قدمه بانتظام باريس من أمثالي كسائح او كمشارك في مؤتمر سياسي او مستمتع بفضاء مهرجانات اللومانتيه السنوية، لا بد في مساحة ذلك الوقت أن تسرقه قدماه نحو النهر، حيث الكتب القديمة تتجاور مع تلك الكاتدرائية المحترقة. استيقظت تلك الخطوات التي قطعتها مع صديقي المحموم بحب باريس لأنها تغلغلت الى وجدانه تلك السنوات الدراسية، فيما أنا كنت عابر سبيل في طرق أبوابها المغلقة وشوارعها الممطرة حسب فصول السنة، باريس عرفتها صيفًا وخريفًا وربيعًا وشتاءً مثلما كانت الكاتدرائية مشهداً معتاداً، حيث على مقربة خطوات يستدعيك الحي اللاتيني وهناك ستسمع جلبة وثرثرة المثقفين وأسئلة السياح. وبخطوات أبعد ستجد نفسك في قلب المدينة القديمة تذكرك بعالم الرويات والأحياء الباريسية المنتفضة. كنت أتصفح بفضول فكرة الكتب الفرنسية العتيقة على النهر، وذاكرة ثقافية حالمة ذات يوم باحتضان باريس النور والتنوير، ويصعب عليك تلمس عنوان الكتاب حتى وإن نجحت وفككت اسم المؤلف. 

مدينة النور مع حريق الكاتدرائية خسرت الكثير من الإبداع الانساني فكم من لوحات فنية ومنحوتات وأرشيف ثري، كلها «تبخرت» وصارت رمادا مع اللهيب بدلاً من تبخرها بشموع أعياد عيد الفصح القريب. 

هذا المزار السياحي العالمي تحولت أجراسه الباكية الى يوم من الحزن التاريخي المميز، فلن يهرب كواسيمودو من نفسه بين تلك الأعمدة الرخامية الشاهقة ويلتجأ بخوفه ومن نفسه وبشاعة البشر قبل بشاعته، كوازيمودو المحبوك بطينة من الدم والماء نفخ في روحها الكاتب والروائي الفرنسي العظيم فيكتور هيجو، لكي تحيا الانسانية بين أوراق روايته «أحدب نوتردام». تتألم اليوم على كل توصيفاته ورسمه لتلك الملامح الفنية الرائعة، حيث هناك كانت في الساحة العامة المواجهة للكنيسة، وقبل قرون، كانت الغجرية ازميرالدا بدفها وغنجها وصناجاتها تراوغ شهوة الرجال والمخمورين، بشر تشبعوا بالرياء والخبث والضغينة، فيما إيقاع الصناجات الفرحة تلهب مشاعر المشاهدين لتلك الصبية الحسناء وهي توزع ابتساماتها الغجرية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها