النسخة الورقية
العدد 11174 الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 الموافق 15 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:32AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

«اليوم التالي» في السودان

رابط مختصر
العدد 10969 الأحد 21 أبريل 2019 الموافق 16 شعبان 1440

من النادر أن تنجح عمليات تغيير الأنظمة السياسية إذا تمت بصورة سريعة ودراماتيكية، أما إذا كانت هذه الأنظمة عسكرية، وحكمت لعقود، فإن نتائج التغيير تكون مكلفة جدًا وباهظة الثمن. تاريخيًا، وخصوصًا في الدول العربية، ولنا في «الربيع العربي» أسوأ مثال، فإن التغيير غالبًا ما يكون للأسوأ وليس للأفضل، بسبب غياب التنظيمات السياسية ومكونات المجتمع المدني القادرة على تعويض الفراغ الناجم عن إسقاط الأنظمة التي تستمر طويلاً مستأثرة بالحكم، إلا أن ما يشهده السودان بعد نحو أسبوع من عزل الرئيس السابق عمر البشير وتولي المجلس الانتقالي سدة الحكم، دون إراقة دماء أو اشتباكات مسلحة، يجري بعكس تلك القاعدة تمامًا، ويثبت أن الشعب السوداني حتى الآن نجح في حراكه بإسقاطه البشير بأقل الأضرار وأكبر المكاسب، حتى أن صدى التغيير في المؤسسة العسكرية مخالف لطبيعة العسكر، فالجيش حتى هذه اللحظة متجاوب للغاية مع مطالب المحتجين، والمجلس العسكري الانتقالي طلب من القوى السياسية تقديم شخصية قومية متفق عليها لرئاسة الحكومة المدنية خلال الفترة الانتقالية، وهي مفاجأة لم يتوقعها أكثر المتفائلين بعدم استئثار العسكر على الحكومة، وقبل ذلك تنازل رئيس المجلس عوض بن عوف بعد يوم من تنصيبه عن رئاسة المجلس، كما صدرت سلسلة من القرارات القوية شملت إعفاء مسؤولين كبار من مناصبهم في القضاء والجيش والأجهزة الإعلامية تجاوبًا مع مطالب الشارع والمعارضة.

يحسب للمجلس الانتقالي قدرته حتى الآن، وخلال أسبوع فقط من عزل البشير، على حشد تأييد ودعم دول عربية كبرى، مكنه من تحييد المواقف الدولية بشكل إيجابي، وعدم خروج مواقف دولية صدامية تنعكس على ثقة الشعب السوداني في المجلس الذي يحكمهم، وهو ما سيساعد على قدرة المجلس الانتقالي من فرض نفسه نظامًا قادرًا على إدارة المرحلة المؤقتة حتى تسليم السلطة بالكامل للحكومة المدنية المنتخبة، فالمراحل الانتقالية المماثلة التي حدثت فيها تحولات سياسية كبرى شهدت خلافات وتوترات حتى اضطرابات، وهذا الأمر من الطبيعي أن نشهده في السودان، كما شهدته دول أخرى حدثت فيها مثل هذه التغييرات نفسها، ومع ذلك فإن رياح التغيير السودانية من الواضح أنها مختلفة تمامًا عن غيرها. من يدري، ربما تقع المفاجأة مرة أخرى بعد 34 سنة من حدوثها، وتتكرر تجربة المشير سوار الذهب عام 1985 عندما فعلها ونقل السلطة سلميًا، وتنازل عن الحكم طواعية.

لا يمكن بطبيعة الحال القول إن السودان استطاع أن يعبر المرحلة الانتقالية الحرجة، وفي الوقت نفسه فإن تعاظم الثقة بين المجلس الانتقالي من جهة، وبين الشارع من جهة أخرى، وحده الضامن لخروج السودانيين من أزمتهم بأقل الخسائر. الخوف الحقيقي من غياب استراتيجية «اليوم التالي» من قبل المعارضة، التي كما يبدو لم تتوقع سقوط النظام بهذه السهولة، فلم يستعدوا جيدًا لمرحلة «اليوم التالي» لسودان من دون البشير، وغاب توافقها على تشكيل حكومة مدنية تتولى تسيير الفترة الانتقالية وانتخاب البرلمان وإعادة هيكلة المحكمة الدستورية، كما أن الاعتصام لا يزال متواصلاً أمام مقر قيادة الجيش، وهي معضلة لن تكون من مصلحة السودان إذا ما استمر طويلاً، ولذلك تبقى المخاوف قائمة في ظل كثير من الخلافات وعدم التوافق الذي كان حاضرًا في رؤية القوى السياسية لترتيبات المرحلة الانتقالية، مع عدم إغفال أن الحراك الشعبي الذي شارك في الاحتجاجات واسع ومتنوع ومكون من جميع الأطياف والنقابات المهنية والأحزاب السياسية، وهم إن استطاعوا توحيد أهدافهم حتى تم عزل البشير، إلا أن ضبابية مرحلة «اليوم التالي» لا يمكن إنكارها. وفي ظل غيابها فإن الفجوة تزداد بين تحقيق مطالب المحتجين من قبل المجلس الانتقالي، وسقف المطالب المستمر في الارتفاع تدريجيًا لدى المعارضة، فالتحولات الكبرى تستحق بعض التنازلات الصغيرة من أجل مستقبل أفضل.

عن الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها