النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

ثقافة الاستهلاك

رابط مختصر
العدد 10968 السبت 20 أبريل 2019 الموافق 15 شعبان 1440

يعيش العالم العربي أزمات اقتصادية خانقة بفعل تأثيرات ما شهدته السنوات الماضية من أتون حروب وصراعات سياسية وعسكرية، لايزال بعضها مستمراً في اليمن وليبيا وسوريا.

دراسات عديدة تناولت هذا الموضوع، منها ما كتبته سارة السهيل تحت عنوان «ثقافة الاستهلاك وأزماتنا»، موضحة ان استمرار هذه الحروب والصراعات قد يرتبط بمخططات خارجية لتفتيت هذه الدول للاستفادة مما تبقى من ثرواتها الطبيعية لكنه في المقابل ادى إلى خنق الاقتصاديات في باقي الدول العربية شبه المستقرة سياسياً.

غير ان الدول العربية وشعوبها لم تنتبه إلى تأثير هذه النزاعات والحروب على اقتصاداتها، ولم تقم بأي محاولات للحفاظ على مقوماتها الاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية حتى وجدت نفسها في مأزق اضطرت فيه إلى إلغاء الدعم، واللجوء إلى فرض الضرائب والرسوم لجلب الايرادات اللازمة للانفاق الحكومي على البنيات الاساسية للدول من تعليم وصحة وأمن وغيرها.

فجأة شعر المواطن في الدول العربية أن الحكومات العربية تخنقه وتحاصره بالضرائب، ورفع اسعار المحروقات والغلاء الفاحش، دون ان تنتبه هذه الشعوب وحكوماتها إلى الخطر الأكبر والمستفحل في المجتمعات العربية والعالمية، ممثلاً في سعار ثقافة الاستهلاك التي غرست بذور فتنتها الرأسمالية العالمية والعولمة الامريكية!

فهذه الرأسمالية قد غذت النزعة الاستهلاكية لدى شعوب العالم وبثت فيها غرائز الترفيه بكل وسيلة، مستخدمةً في ذلك حاجة الناس إلى التواصل الاجتماعي والانفتاح على الآخر، ومحاكاة تجارب الشعوب، والتلذذ بكل ما هو جديد، فتحول انسان هذا العصر منذ تسعينيات القرن الماضي إلى كائن مستهلك لكل شيء في الأرض والفضاء، مستهلك للزراعة والصناعة والاعلام والفنون وغيرها.

ومن منظور الدراسة، لقد تفعل المفهوم الاستهلاكي المفرط مع عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية حتى صار ثقافة يومية معاشة نمارسها كشيء طبيعي، كما صار جزءاً رئيسياً من اقتصاديات الدول وركائزها السياسية، معتمداً في ذلك على دور الاعلام في بث ثقافة الاستهلاك، عبر اعادة تشكيل وعي جماهيره العريضة شرقاً وغرباً بحاجاته المتجددة للتغيير والتحديث.

فقد غذت الرأسمالية مفهوم الحاجة المستمرة لانسان العصر، والنزوع المتجدد للاستهلاك، وخلقت بداخله الدوافع لاشباع الاحتياجات الكثيرة التي لا تنتهي حتى بات الاستهلاك عنصراً رئيسياً في منظومة حياتنا اليومية.

ولذلك فلا غرابة امام عبقرية الرأسمالية المتوحشة ان تستثمر كل مناسبة في حياة الانسان لتحولها إلى سلعة وتجارة، موظفةً قدراتها على الضغط بالميديا والاعلان الجذاب، مثل الاعياد الدينية واعياد الميلاد، وطقوس الزواج والانجاب، ومواسم الربيع، وغيرها من الاحتفالات والمهرجانات.

وللاسف فان العولمة الاقتصادية، قد حولت كل الكماليات في حياتنا إلى ضروريات؛ ولكي يحظى الانسان بالمزيد من المال لاشباع هذه الكماليات؛ فقد اضطر للعمل ساعات اكثر، وبجهد مضاعف على حساب صحته، وراحته النفسية والعصبية؛ لتوفير نفقات هذه الكماليات، وتغطية نفقات هذه الثقافة الاستهلاكية.

لقد نجحت الرعاية الامريكية في اختراق عقول ووجدان البشر، وسيطرت على حركة التجارة العالمية، ونشأت التجارة عابرة القارات عبر عولمة زادت فيها الدول الكبرى ثراءً ونفوذاً سياسياً واقتصادياً؛ بفعل كثرة انتاجها بينما تحول باقي سكان العالم إلى مجرد مستهلك لما تنتجه الدول الكبرى، وخرجت شعوبها من دائرة الانتاج إلى دائرة التلقي والاستيراد والاستهلاك!

وصار انسان هذا العصر امام وحش الدعاية في هذه القرية الكونية، «ضحية الاغواء بالسلع»، وفق نظرية الالحاح حتى يخضع الزبون لتأثيرات المنتج عاطفياً وسلوكياً.

وعلى صعيد التأثير الاجتماعي؛ فإن الدراسة اشارت إلى ان ثقافة الاستهلاك اثرت تأثيرات سلبية على المجتمعات خاصة مجتمعاتنا العربية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي، حيث تسببت ثقافة الاستهلاك في خفض معدلات الادخار، ومن ثم تقليص مساهمات افراد المجتمع في تحقيق المشروعات التنموية مع حكوماتها، كما أدى ذلك إلى تقليص حركة التجارة الداخلية نتيجة نقص السيولة النقدية بين افراد المجتمع.

ونجم عن انخفاض الدخل المادي عجز الكثير من الاسر عن الوفاء بالتزاماتها المعيشية واعبائها اليومية، ما أدى تباعاً إلى تعميق الخلافات الاسرية، وتعرض ربّ الاسرة الى الملاحقات الامنية لعدم قدرته على سداد مديوناته، ما يؤدي لتشتت افراد أسرته!

وخرجت العديد من الدراسات التي بحثت تأثيرات الافراط في الانفاق، وانتشار ثقافة الاستهلاك إلى ان هذه الثقافة قد أدت إلى انتشار الجرائم سواء بين الطبقات الغنية او الفقيرة.

وتذكر الدراسة ان في الدول الغنية، حيث الاستهلاك هو نمط الحياة السائد يعيش 16% فقط من سكان الأرض، فنسبة الاغنياء في العالم 16% من سكان الأرض واستهلاكهم يصل إلى 78% من الاستهلاك العالمي، وتتصدرهم الولايات المتحدة بنسبة 32% رغم ان تعدادهم لا يتجاوز 5% من سكان الأرض.

 أما الدول النامية فتنظر إلى الدول المتقدمة على انها مثال وقدوة، وتحاول ان تحذو حذوها وتتبنى نمط معيشتها، وهنا فإن الدراسة تحذر من انه لو اتيح لجميع سكان الارض العيش بنفس نمط الحياة الامريكي، فسنكون وقتها بحاجة إلى خمسة او ستة من كواكب الارض لكي نلبي احتياجاتهم، وذلك لان كوكبنا سيكون عاجزاً عن تأمين الموارد الكافية لجميع سكانه.

فإذا كان من الأهمية وضع برامج لتكثيف الوعي لضبط ايقاع الاستهلاك، والتحذير من عواقبه السياسية والامنية والاقتصادية؛ فانه من الأهمية ايضاً - كما تدعو الكاتبة - ان تتكاتف كل المؤسسات العربية ومنظماتها بجانب مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية، وكذلك وسائل الاعلام المختلفة، في نشر الوعي بترشيد الاستهلاك وضغط النفقات وابراز الازمة الاقتصادية التي تواجه مجتمعاتنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها