النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

الحب الإنساني

رابط مختصر
العدد 10968 السبت 20 أبريل 2019 الموافق 15 شعبان 1440

أعاد الحادث النيوزلندي الشنيع الأخير الذي أودى بحياة مسلمين أبرياء في حالة خشوع وعبادة في مدينة كرايستشيرش النيوزيلندية، فكرة التسامح بقوة أكبر في العالمين العربي الإسلامي والمسيحي الغربي، في أجواء اللاتسامح التي تسود في العالم، وفي بلادنا العربية، بعد أن طور الإسلام السياسي، إرهاباً غير مسبوق في بشاعته في التاريخ العربي الإسلامي. ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن التطرف الإسلامي الذي قام في السنوات الماضية بعدة هجمات مشابهة في الغرب وفي أمريكا، قد أثار التطرف اليميني العنصري الغربي ومنحه مبررًا لفعل بالغ البشاعة والقسوة، لكن التسامح النيوزيلندي، جاء ليخفف الصدمة المروعة عنا، وتجلى هذا التسامح في عدة صور كان أكثرها أثرًا ارتداء الحجاب والتوجه الى المساجد وزيارة أهالي الضحايا، ثم رفع الأذان في التلفزيون والإذاعة الرسميتين بتوجيه من رئيسة الوزراء النيوزيلندية. 

كان ذلك درسًا عمليًا مزدوجًا للمتطرفين الغربيين والعرب المسلمين على حد سواء، كما كان مشهدًا مؤثرًا للتسامح والإخاء الإنساني الذي له جذور عميقة في الثقافة الغربية. قابله تسامح موازٍ من قبل ذوي الضحايا، الذين شعروا بالامتنان  للشعب النيوزيلندي الذي زار بيوت الضحايا للمواساة والمعاضدة. 

كما أن الشعوب العربية والإسلامية كانت في قمة التسامح في جانب آخر، تجلى في الترحيب والاحتفاء الواسع جدًا، الذي شهدناه في وسائل الإعلام العربية. وحقيقة نحن في حاجة الى تكريس هذا التوجه لدى الشعوب في كل العالم، لمبادلة الحب بالحب، والتأكيد على نبذ الكراهية والتطرف، والعزم على المضي في مضمار السلام والمحبة بين شعوب الأرض قاطبة. وكما نعرف فهناك يمين متطرف إرهابي وعنصري النزعة في نيوزلندا (كما هو في الغرب) يريد أن يعيد الى الأذهان مرحلة عنصرية سادت فيها النازية والفاشية في الثلاثينات من القرن الماضي. 

لكن التسامح النيوزيلندي أكد لنا بشكل باهر أن هناك عقلاء وإنسانيين في الغرب بجانب هذه العناصر المتهورة، إذن فالكراهية والإرهاب مقتصران في محيط  لكن هناك الجزء الآخر الذي ينحاز للوفاق والتآلف الإنساني المزروع في البشر، إلا من شذ منهم. يقول أحد الحكماء:  لكي تغسل الكراهية من قلب الآخر إن كان هذا الآخرعدوك لابد أن تغسلها أولا من قلبك. هذه الحكمة، المأخوذة من أسلافنا العرب المسلمين، تدعونا للبدء بالتسامح والمبادرة به، فهي خير وسيلة لنزع الكراهية من الجهة المضادة، لحل النزاعات وإطفاء نار العداوات. 

هناك حروب ونزاعات وانقسامات داخلية في حدود الأوطان، كالعداوات الدينية والمذهبية، والعرقية، كما هي موجودة بين الدول، هذا النوع من العداوات تكون آثارها السلبية مدمرة للغاية، وقد تودي بحياة الملايين وتفقد المجتمعات استقرارها. وهناك بعض العداوات الراسخة في العقل الباطن، بين الجماعات التي لها تاريخ سابق من الصراع والحروب، على سبيل المثال لا الحصر، الحروب الصليبية التي أستمرت زهاء قرنين بين المسلمين والمسيحيين، ونستطيع أن نتخيل ضحايا حرب إستمرت زهاء قرنين (1096-1272). وهناك الحروب بين الطوائف الدينية كالكاثوليك والبروتستانت في أوروبا في القرن السابع عشر، وهناك الحروب العالمية الأولى والثانية التي مات فيها الملايين، وعاش إثرها عشرات الآلاف بعاهات صعبة. 

الحادثة النيوزيلندية تدعونا لنذهب معًا شوطًا آخر في طريق التسامح والإخاء الإنساني، كي لا يكون التسامح مجرد شعار مثالي ترفعه الأمم المتحدة للإحتفال به في يوم واحد. التسامح في جوهره حاجة إنسانية ووجودية لا غنى لنا عنها جميعًا، ويجب أن تتبناها كل الشعوب والأجناس بلا تميز أو تحيز ليكون العالم أجمل. اليوم يرتفع شعار التسامح سامقا في الفضاء (بعد الحادث النيوزلندي الفريد من نوعه). 

ولابد لنا نحن البشر من السير في طريق التسامح وإن كان بعيد المنال، فنحن سنصل الى الهدف إذا تآزرنا على إنجازه. دون ذلك فهناك ما يخيفنا، فلنتصور على سبيل المثال حربًا عالمية ثالثة في عصر تقدمت فيه أسلحة التدمير الشامل والصواريخ ذات الرؤوس النووية العابرة للقارات. ولنستعيد كم من الحروب الأهلية الدينية والمذهبية والعرقية حصدت ملايين الأرواح في العالم، ولنتهيأ لحروب أخرى تطل برأسها من قريب ومن بعيد. 

يقول الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند رسل إننا اليوم أحوج ما نكون للحب. ويقول المتصوف الإسلامي مولانا جلال الدين الرومي إن الحب الإنساني هو الطريق  للحب الإلهي. ولو عدنا الى التاريخ البشري سنجد أن كل الحكماء والمصلحين والفلاسفة في العالم القديم والحديث تحدثوا عن حاجتنا للحب الإنساني الذي لا يفرق بين البشر بناء على أجناسهم وأعراقهم ودياناتهم ومذاهبهم. ولم ينسَ أسلافنا العرب أهمية هذا الحب الإنساني، وكان  الفيلسوف الفقيه إبن عربي يقول إن قلبه يتسع لكل الأديان ولكل البشر على اختلاف أديانهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها