النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

لقاء فحوار فتسامح فسلام

رابط مختصر
العدد 10965 الأربعاء 17 أبريل 2019 الموافق 12 شعبان 1440

لا تزال إشكالية العلاقة بين أتباع الأديان والمذاهب تؤرق الباحثين وترهق السياسيين وصناع القرار خصوصاً في الدول أو الأقاليم متعددة الديانات والأعراق. وهذه الإشكالية المطروحة اليوم بإلحاح ليست بدعاً من الأفكار ولا نتاجاً لثورة الحواسيب والانفجار المعرفي، وإنما هي قديمة قدم التاريخ والأديان، متجددة بتجدد أدوات البحث ودواعيه، متغيرة بتقلّب موازين القوى.
وطرح هكذا قضايا في العالم الإسلامي برهان آخر على بروز نخبة من أتباع الأديان ترفدها إرادة سياسية، ترى الخير كل الخير في اللقاء على قواعد متينة للتعايش من أجل السلام بين أتباع الأديان والمذاهب.
وفي هذا الإطار ينشط مجلس جابري الثقافي: مجلس السلام، كعادته، في تأثيث لقاءاته الشهرية بمثل هذه القضايا الحارقة وطرحها على الحضور النوعي والمتميّز والمتنوّع في المجلس؛ فقد نظم يوم الثلاثاء 9أبريل 2019 ندوة ثقافية تحدّث خلالها الشيخ صلاح الجودر عضو مجلس أمناء مركز حمد للتعايش السلمي عن «فضاءات التعايش السلمي في مملكة البحرين». وتبع ذلك اللقاء حوار أكّد فيه الحاضرون على ضرورة تلاقي أفكار المختلفين سواء من أتباع الأديان أو المذاهب مما يؤكد عراقة البحرين في احتضانها منذ القديم وإلى اليوم كل الأطياف الدينية، وذلك تحت رعاية جلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله، وفي كنف السلام والتعايش المدني.
لكن، لا يعني ذلك بالضرورة رضى النخب الفكرية والدينية عن مثل هذه اللقاءات والمبادرات الجامعة؛ إذ لم يمرّ اللقاء دون أن يحرّك سواكن العالم الافتراضي والعالم الحقيقي: فبقدر ما تحرّك إعلام الشبكة العنكبوتية معيداً إثارة العلاقة بين الأديان، تنادت بعض المنابر الدينية والثقافية للرد على هكذا مبادرات تسعى إلى التقارب والتآخي بين الأديان بالرفض أو التوجيه والتصحيح وتعديل وجهة النظر إلى المسألة من زاوية نظرهم التي يعتقدون طبعاً صحتها مقابل خطأ غيرها.
وقد لاذ أصحاب هذا الرأي الإقصائي بالتاريخ القريب والبعيد، مستحضرين منه صوراً تلبّست فيها أيادي أصحاب كل ديانة بأعمال عنف وقتل غير مبرر، كما استندوا إلى تأويلات النصوص الدينية وقراءاتها الداعية إلى صراع المخالف دينياً وذهبيا بدل الحوار معه ودعوته بالتي هي أحسن. وفات هؤلاء وأولئك أن استحضار هذه الصور المؤلمة واسترجاع مآسي التاريخ لا يزيد الشرخ إلا اتساعاً بين أتباع الأديان والمذاهب.
وبالمقابل، يَستحضِر دعاة التسامح والسلام ومحبّيه من كلّ دينٍ ومذهب النّصوص المقدّسة التي تؤكد مناصرتها للسلام والمواقف التاريخية العظيمة والأقوال المأثورة مع تأكيدهم على ضرورة الوعي والتفريق بين النصوص الدينية وتفسيراتها وتأويلاتها وتطبيقاتها على أرض الواقع.
إنه من الظلم الكبير للبشرية أن يتناحر أبناؤها على خلفية المعتقدات الدينية النابعة من مصدر واحد، لذلك تنادت الأقلام والأصوات بالدعوة إلى التسامح والتعايش والتصالح والتحاور والتآخي والتقارب والتثاقف والتفاهم والتلاقي والتعاون وهلمّ جراً من المصطلحات المتضامنة والمتناصرة في التعبير عن روح العلاقة بين أتباع الأديان والمذاهب، ومن ثمّة يؤكد البعض على ضرورة العمل بروح الآية الكريمة «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» (الحجرات، 13) ذلك أن التعارف يعني التشارك في معرفة الآخر، ولا تكون المعرفة إلا باللقاء ولا يكون اللقاء إلا بالحوار ولا يكون الحوار إلا بالتسامح ولا يكون ذلك كله إلا من أجل السلام.
إن التعايش بين أهل الأديان والمذاهب المختلفة ينبغي أن ينبني على أساس متين من الثقة والاحترام المتبادلين، وينطلق من الرغبة في التعاون لخير الإنسانية في المجالات ذات الاهتمام المشترك وفيما يمس حياة الإنسان. إن أساس التعايش هو التعاون بين المؤمنين في الأرض على ما فيه الخير والصلاح للإنسانية جمعاء خطوة في سبيل تحقيق السلام العالمي، ويمكن أن يأخذ هذا التعاون أشكالاً بسيطةً كالتعاون في المحافظة على سلامة البيئة، وفي محاربة الأمراض الخطيرة، وفي القضاء على التفرقة العنصرية، وكذلك محاربة الإلحاد والانحلال الخلقي وتفكّك الأسرة وانحراف الأطفال ومقاومة كل الآفات والأوبئة التي تتهدّد سلامة كيان الفرد والمجتمع أو تضر بالحياة الإنسانية.
     ولا يفوتني أن أعرب عن شكري وتقديري لمجلس جابري الثقافي الذي يؤكد شهرا بعد شهر على أنّه فضاء للتسامح والحوار في كنف احترام المختلف. إنّ التعايش بين أتباع الأديان والمذاهب إن لم يكن الهدف منه خدمة الأهداف السامية التي تسعى إليها الأديان، ضاع المعنى الإيجابي منه وصار إلى الدعاية واللجاجة، أقرب منه إلى الصدق والتأثير في حياة الإنسان المعاصر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها