النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

محاكمة سقراط والخيار بين واجبين

رابط مختصر
العدد 10964 الثلاثاء 16 أبريل 2019 الموافق 11 شعبان 1440

إن أكثر الأمور حيرة وألماً وقسوة على الانسان عندما يجد نفسه أمام مفترق طريقين، وعليه أن يختار أحدهما، مع صعوبة تحديد الأولوية بينهما، وهو مسؤول وملتزم بالوفاء للطريقين، أو للجهتين. إنها حالة تنم عن معضلة تؤزم خلجات النفس وتضع الفكر في مأزق عند التفكير في الخيار. إنها حالة من تلك الحالات شبه النادرة، لأن الفصل المريح والمرضي بينهما شبه مستحيل. ولقد تعرض لهذا المأزق الوجداني الفيلسوف الفرنسي جان فول سارتر في ثلاثيته «سن الرشد». يروي مأزق شاب أثناء الحرب العالمية الثانية، مأزق الاختيار بين المقاومة ضد الغزو النازي، وبين مسؤوليته تجاه أمه المريضة، مسؤوليتان ملزمتان، عليه أن يختار إحداهما ويتخلى مضطرًا عن الأخرى. وأياً يكن القرار في وجهة الخيار، فإن صاحب القرار يتحمل كامل المسؤولية وحده عن تبعات القرار. وهذا هو لب الفلسفة الوجودية..
كذلك حال الفيلسوف اليوناني سقراط صاحب الرسالة التي ألزم نفسه بها لنشرها في المجتمع اليوناني وغرسها في نفوس شعبه، الذي يحبه ويكن له الاحترام، ويشعر أنه المسؤول الأول عن حفظه ورعايته، وبث مكارم الأخلاق والفضيلة في ربوع مجتمعه. هذه الرسالة التي كان يحملها سقراط ما كانت لترضي النخبة التقليدية في المجتمع، خاصة وأنها كانت موجهة في الأساس إلى الشباب، وكانت الرسالة تحمل ثمرات النقد للموروث الثقافي والديني في المجتمع اليوناني. وطبيعة الرسالة التنويرية، بمعيار ذلك العصر، كانت سبباً كافياً لظهور أعداء ألداء لسقراط. فكانت الدعوة المشهورة من بعض رجالات النخبة التقليدية ضده أمام القضاء. ومن المفارقات المحيرة أن سقراط كان يؤمن أن على الفيلسوف السعي إلى الصعود (إلى السماء) لينضم إلى قرنائه من الآلهة والطيبين، ولكن دون مبادرة من ذاته لقتل الذات (الانتحار)، فقد كان يحرم الانتحار. إن نظرة مقارنة بين نشر الرسالة والسعي إلى التخلي عن بيته وعن حياته من أجل أن يكون بقرب الآلهة، تثير في الذهن تساؤلات محيرة، يصعب الإجابة عليها. فهكذا كان سقراط الفيلسوف شبه النبي صاحب الرسالة.
سقراط أمام القضاة، 501 قاضٍ، وجمع من الأصدقاء والأعداء تجمهروا في الساحة المخصصة لمحاكمة الفيلسوف (الحكيم) سقراط. رفض توكيل محامٍ عنه، وكان وحده يواجه عاصفة القضاء. لأن القضية المرفوعة ضد سقراط تمس وحدة المجتمع وأمنه، هذا من وجهة نظر أعداء سقراط، فإن الحكم، إن ثبتت عليه القضية، قد يرقى إلى المطالبة بحياته (الاعدام). وهذا هو الذي حصل، رغم أنه كان بإمكانه أن يدافع عن نفسه ويحمي رأسه، إلاّ أنه أخذ يخاطب القضاة باستعلاء وبشيء من التهكم، وبهذا المسلك فإنه في واقع الأمر لم يكن يدافع عن نفسه، بل كان يدفع القضاة دفعاً لأن يصدروا بحقه الحكم بالإعدام، وإلا ما كان ليستعلي على القضاة ويتهكم بهم.        
سقراط في المحاكمة كان محشوراً بين خيارين، و الخياران ملزمان، لزوم المسؤولية، ولم يكن أمامه من سبيل سوى اختيار أحدهما. إلتزامه بالمبدأ الذي ينادي به أو التزامه بحياته الخاصة، أي كان يقف بين العام والخاص، بين مجتمعه وأسرته، وبالنتيجة تأرجحت قاعدة المسؤولية في ذهن سقراط بين أسرته ومجتمعه، فكان الضحية سقراط، بإرادته، والضحية الأكبر أسرته ... أما المجتمع الأثيني، على لسان قضاته، فقد قال كلمته الفصل في تمزيق صفحة سقراط عن كتاب الحياة في اليونان، فكان الحكم بالأعدام. سقراط تجرع السم مرة واحدة وأخلد إلى الراحة الأبدبة، وترك أسرته تتجرع السم كل يوم ولا تعرف الراحة ولو لساعة فيما تبقى من حياة للزوجة وللأبناء الثلاثة.
هل تجنى سقراط على أسرته؟ هل فعلاً كان يسعى سقراط إلى الحصول على حكم الإعدام بتناول السم حتى ترتفع روحه إلى عالم الآلهة والطيبين، حسبما جاء في كتاب «فيدون»؟ أم أن مكانة العز والكبرياء في نفسه لم تتركا له خياراً آخر؟  أم أن إحساس سقراط بالمسؤولية تجاه مجتمعه كان يفوق، بدرجات كبيرة، إحساسه بالمسؤولية تجاه زوجته وتجاه أبنائه الثلاثة؟..
هذه بعض من الأسئلة المشروعة التي يصعب الإجابة عليها، والإجابة شبه مستحيلة، أيّاً يكن الخيار، فإن التبعات تعني التخلي عن مسؤولية ملزمة من أجل الوفاء بمسؤولية أخرى ...
مع هذا التأرجح في ميزان المسؤولية بين الخاص والعام، بين الاسرة والمجتمع، نحن أمام مفترق طرق، وأمام مأزق أخلاقي، فالمسؤولية تجاه المجتمع موقف أخلاقي نبيل تقتضيه ضرورات الحياة في المجتمع، والمسؤولية تجاه الأسرة موقف أخلاقي تفرضه ضرورات الحياة الخاصة. فعندما يتضارب الموقف الأخلاقي بين الاسرة والمجتمع، كيف يكون الخيار؟ رغم أخلاقية كلا الخيارين. هنا المأزق الوجداني بين موقفين أخلاقيين متضاربين، موقف أخلاقي يتعارض مع موقف أخلاقي آخر، والمسؤولية، وهي جوهر الأخلاق، تجد نفسها في موقف حرج، إن التخلي عن مسؤولية ملزمة من أجل مسؤولية ملزمة أخرى لهي معضلة جهنمية، كيف السبيل إلى هضمها ؟... سقراط المقبل الى الآلهة والمدبر عن أحبته، إنها دراما مفزعة. إن هول الدراما يخفي تراجيديا مثخنة بالجروح. الفيلسوف سقراط يريح نفسه من عناء الحياة ويصعد إلى عالم الأرواح، عالم اللامسؤوليات، ويترك زوجته وأبنائه الثلاثة للمجهول، وعندما يتجه الانسان الى المجهول فإن جميع حواسه تكون معطلة، لأنه ليس هناك من ملموسات يمكن تحسسها أثناء السير إلى المجهول. سقراط ينضم إلى الآلهة، وأسرته تغرق في لجج المجهول. فهل أقدم سقراط بجرم تجاه أسرته؟ إذا كان قرار سقراط، بتفضيل المبدأ على أسرته، والتخلي عن أسرته جربمة، فإنه يستحق محاكمة أخرى لإحقاق الحق لأسرته. ولكن لا سبيل إلى محاكمته، ولا سبيل لأسرته أن تستعيد حقها من ربها (سيد البيت)، لأنه في حكم الميت، ولا يمكن محاكمة الميت إلاّ أدبياً.
فهل يستقيم الأمر في محاكمة سقراط أدبياً لأنه أضر بأسرته ؟ ... لا أعلم...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها