النسخة الورقية
العدد 11058 الجمعة 19 يوليو 2019 الموافق 16 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

الطامة الكبرى للشعب الأهوازي

رابط مختصر
العدد 10963 الإثنين 15 أبريل 2019 الموافق 10 شعبان 1440

ساهمت الأمطار الغزيرة والنظام الايراني معا في تشريد الشعب الاهوازي، فالإحصاء الأولي حتى لحظة كتابة المقالة (وفق بيان منظمة حقوق الانسان الاهوازية) إن هناك نصف مليون عربي اهوازي يعيشون بلا مأوى، وقد نصبت لهم الخيام المؤقتة مثل اللاجئين المشردين من بيوتهم.
ليس نصف مليون إنسان لاجئ دفعة واحدة وبين ليلة وضحاها وموت أكثر من سبعين شخصًا أمرًا هينًا، وإنما حالة إنسانية تراجيدية إذا ما قارنا تشرد نصف مليون إنسان من نسبة سكانية قدرها خمسة ملايين، هذا الى جانب غرق كامل وجزئي لأكثر من مائتين قرية و9 بلدات ومدينة بعد أن جرفت سيول الفيضانات العنيفة مزارع الفلاحين وغالبيتهم من الفلاحين الفقراء، الذين يعتاشون على مردود الارض الموسمي والسنوي، ولكنهم بعد حالة الفيضان المروع باتوا في صبيحة اليوم الآخر لا يملكون إلا ما يغطي أجسادهم في عراء ذلك الكون المفتوح من يابسة متبقية في أماكن محدودة. أن تعلق ثمة أيام بلا ماء وطعام فوق رفوف وأسقف المنازل وتتشرد العائلات وتنقطع بها السبل أمر مفجع لضمير المجتمع الانساني.
دون شك أن الأمطار ضربت مناطق كثيرة في ايران، غير أن إقليم الاهواز كان نصيبه من الدمار والخسائر البشرية والمادية فاقت جميع مناطق ايران لأسباب عدة سنعرج عليها، فليست الأمطار الغزيرة وحدها من لعبت دوراً خفياً ومعلناً لتوسيع رقعة التدمير الممنهج والتشريد، طالما هناك منذ فترة طويلة خطة استراتيجية لتغيير التركيبة الديمغرافية في الاهواز، وقد حانت الفرصة الذهبية للحرس الثوري ونظام روحاني بتطبيق تلك الخطة الجهنمية الموجودة في إدراج مكاتب النظام.
لم يكن الجرف المائي وحده حاضراً وإنما الجرف السياسي المتعمد تجسد بكل وضوح في طريقة التعامل مع الفيضانات من حيث الإهمال المتعمد في فتح مجرى الأنهر واستيعاب تلك المياه الفائضة بطرق علمية حديثة من خلال بناء المزيد من السدود والخزانات، وفتح مجرى لمسار اندفاعات المياه نحو مناطق عدة تعاني الجفاف وبحاجة ماسة لتلك المياه الوفيرة لتوسيع رقعة المساحات الزراعية، ولكن نظام الملالي طوال تلك السنوات سعى على العكس من ذلك، في وقت كان يجيد ويعمل على سرقة مياه الأنهر لمناطق تسيطر عليها الشركات الخاصة للحرس الثوري وفي نطاق مسؤولياته خاصة شركات قصب السكر.
هذه المرة بكل صفاقة ووقاحة لم تغلق الممرات الضرورية لمجرى المياه لتغرق تلك المياه بيوت فقراء الفلاحين في تلك القرى لتجبرهم على الهروب، بحجة أن الإجراءات تلك كانت تحمي منابع النفط ومناطقها، وبذلك تصبح حياة السكان من الاهوازيين العرب رخيصة الثمن، ويتحول الانسان الاهوازي الى قطعة من قصب السكر في «جمهورية السكر !» في حضن الحرس الثوري الفاسد. لقد عرفت الانسانية منذ فجر التاريخ فيضانات مروعة كانت تسميها «الطوفان» وحاكت حولها قصص من الأساطير والخرافة لفداحتها وموت الآلاف من البشر وغرق قرى كاملة تحت الماء.
فهناك أشكال من الفيضانات البحرية والنهرية الضخمة في العالم كما هي في حوض الأمازون والمسيسيبي والنهر الأصفر في الصين ونهر الكانج في بنغلاديش ونهر النيل ودجلة والفرات. والفيضانات تترك خلفها خسائر بشرية ومادية فادحة فقد قتلت فيضانات النهر الأصفر في الصين في القرن العشرين ما يقرب من سبعة ملايين إنسان، بالاضافة الى تشريد الملايين فيما فيضانات نهر الكانج في بنغلاديش قتلت 150 ألف بالإضافة الى تشريد مئات الآلاف من الناس.
فاذا ما قسنا تراجيدية ومحنة كل شعب النسبية قياسًا بحجم السكان نراها لا تقل من حيث واقعها الانساني والاجتماعي أهمية، فتشرد نصف مليون إنسان في الاهواز دفعة واحدة خلال أيام تعد كارثة تاريخية كبرى في تاريخ الاهواز المعاصر. كما أن كوارث الشعوب الأخرى لم تكن الطبيعة والإهمال البيروقرطي سببًا وحيدًا في تلك الفاجعة بحيث اصابع الاتهام السياسي غائبة، فيما في القضية الاهوازية هناك تدخل مباشر من الحرس الثوري والنظام الايراني في تعميق الأزمة بخلق ممهدات أساسية لتهجير سكان عرب الاهواز الى مناطق فارسية. ستجد السلطات في حكومة روحاني فرصة التسويف، بحيث على الأقل، تنجح في الأغواء والقبول بالانتقال للمناطق الجديدة حتى أشعار آخر، ومع الوقت والمماطلة يتم تجاهلهم، بحيث لا يمكن عودتهم لقراهم وبيوتهم الأصلية.
سيحاول النظام قدر الإمكان تهجير ربع مليون او مائة الف عائلة لخارج مناطقها الأصلية، ومن خلال الأكاذيب والوعود والابتزاز يتلاعب موظفو نظام روحاني بوعي الفلاحين الفقراء من عرب الاهواز بالعيش في مناطق جديدة مؤقتة على أمل ترميم وإصلاح بيوتهم من الفيضانات. كان النظام بحاجة الى مثل هذه اللعبة لانتزاع الفلاح من أرضه وتفتيت تلك العلاقة الروحية والمادية بالأرض. في موضوع فيضانات الاهواز برهن النظام في ايران ليس عجزه في مواجهة الأزمات وحسب، بل وتحوله الى جزء من تلك الأزمة بممارسة كل اشكال التسويف والدجل على الناس بحجة ان ضعف امكانيتهم للتعامل مع الكارثة هو حالة الحصار المضروب عليها من القوى الخارجية.
أخيرًا تتعلم الشعوب في خندق الأزمة كيفية رصِّ صفوفها وتمتين وحدتها من أجل الحفاظ على ذاتها ومصيرها أمام مشاريع الاستيطان الجهنمي الملموس تارة والخفي تارة أخرى. في مثل هذه الأزمة الحالكة برهن الشعب العربي الاهوازي الواقف -وحيدًا- أمام العاصفة المدمرة مقاوما كل أشكال التدمير المتعمد مستنهضًا قواه وقدراته الذاتية، فقد لعبت النساء والشباب والأطفال دورًا بطوليًا في فن وإبداع العمل التطوعي اليومي الضروري بين نسيج المجتمع الاهوازي كله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها