النسخة الورقية
العدد 11005 الاثنين 27 مايو 2019 الموافق 22 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

معادلة الرفيعة بالجماهيرية

الثقافة كآخر جدار يمكن الاتكاء عليه!

رابط مختصر
العدد 10963 الإثنين 15 أبريل 2019 الموافق 10 شعبان 1440

وردني من صديق عزيز تعليق مرير على المقالة المنشورة في هذه المساحة قبل أيام بعنوان: «ربيع دائم للثقافة: مع المحبطين المزمنين من النجاح»! قرأت مقالك صباح اليوم، لكنه لم يعجبني جملة وتفصيلاً. وكان بعكس المعتاد تمامًا. ومع احترامي الكبير لشخصك (والذي أعرفه جيدًا)، فإنني أرى المقال غارقًا في المجاملة، وغير نقدي (بعكس مقالاتك الأخرى التي يغلب عليها الطابع النقدي المتوازن، والعقلاني). فقد نظرت في مقالك هذه المرة بعين واحدة فقط، هي عين مؤسسة الثقافة الرسمية إلى مهرجان ربيع الثقافة الذي أراه قاصرًا ومحدودة الأهمية، بعكس ما ذهبت اليه في مقالك الذي اتجه إلى الدفاع عن هذا المهرجان الذي لا يخلو من نقاط الضعف التي تجاهلتها. فعندما يركز أي موسم ثقافي على جوانب محددة من الثقافة مثل الموسيقى والغناء والرقص بالدرجة الأولى، ويتجاهل جوانب أخرى، لا تقل أهمية عنها، فلابد أن يكون هذا قصور في البرمجة، وذلك لأن ربيع الثقافة أو أي موسم ثقافي آخر يجب أن يكون شاملاً للمسرح والندوات الفكرية والمعارض الفنية ومعارض الكتب والاحتفاء برواد الصحافة والثقافة والتعريف بهم وبنتاجهم الفكري والمعرفي والفني، ويجب أن تكون لدينا رؤية واضحة لإشراك الأندية الثقافية والرياضية والمراكز الثقافية المنتشرة في القرى والمدن في مثل هذه المهرجانات الثقافية.

قلت للصديق:
بعيدًا عن الدفاع والتبرير (فتلك ليست وظيفتي ولا مهمتي)، فإني كتبت منتقدًا موقفًا أحادي الجانب، لا يرى في مهرجان ربيع الثقافة إلا سوءًا، بل إنه لا يرى في الثقافة التي يصفها بالرسمية إلا كل ما هو سلبي (وكأنما الثقافة الأهلية في أزهى مراحلها)، ولذلك كان المقال ردًّا على هذا الموقف العدمي، وعلى الترهات التي تُساق في هذا الإطار. وعندما تكون في هذا السياق، فلابد من استحضار الرأي الآخر، وهو الدفاع عن فكرة المهرجان وأدائه ونتاجاته الملموسة، بغض النظر إن كان الذي ينظمه جهة رسمية أو أهلية أو تجارية. أما اختلاف الآراء في تقييمه، فأمر مشروع ومهم في ذات الوقت، ولا خلاف عليه أو حوله. ولكن الذي استغربته تمام الاستغراب هو أنك تنتقد، في جانب من نقدك، هذا المهرجان من دون أن تكون مطلعًا - على ما يبدو - على برنامجه، ولا حاضرًا في فقراته المختلفة التي تشمل مختلف جوانب الثقافة الوطنية والعربية والعالمية في ذات الوقت، ومنها المسرح والسينما والموسيقى والتشكيل والتراث وغير ذلك من الفعاليات التي طالبت بأن تكون موجودة فيه. وهذا يعني أن النقد قائم على موقف مسبق من رفض أي فعاليات ثقافية رسمية. وهذا تحديدًا ما انتقدته في المقال الذي لم يعجبك تحديدًا. فأنا شخصيًا لدي ملاحظات على المهرجان في نسخه المختلفة، وقد نشرت بعضها في السابق، إلا أنني أرى المهرجان إيجابيًا في مجمله، لعدة أسباب ثقافية واقتصادية واجتماعية وترويجية للبحرين، فضلاً عن أنه ينشر حالة من الفرح، نفتقدها، ونحتاجها بكل تأكيد.

قال الصديق محتجًا:
لقد اطلعت على البرنامج بالفعل، لكن حفلات الموسيقى والرقص أخذت نصيب الأسد. ثم يا أخي لماذا لا تكون لدى المنظمين رؤية لإشراك المراكز الشبابية في المهرجان والذي يبدو لي وكأنه مصمم لفئة معينة من المثقفين، والأجانب والبعثات الدبلوماسية وزوار البحرين أكثر مما هو موجه إلى افراد الجمهور البحريني. طبعًا انا لا أتفق مع الموقف العدمي الذي عبر عنه الشخص الذي استعرضت حواره معك، ولكني في المقابل أرى أن هناك شريحة كبيرة لا تقتنع بجدوى المهرجان، للأسباب التي طرحناها؛ لأن فعاليات ربيع الثقافة في مجملها، مثلما تحمل في برمجتها نخبوية المضمون، فإنها تحمل أيضا نخبوية المكان، ففعالياته تعقد في المنامة والمحرق والرفاع. أما أهل القرى فبعيدون عن هذا الحدث تمامًا، فكأنهم غير موجودين.

رددت على الصديق:
إن مساحة النقد مفتوحة أمام الجميع، ولست وصيًا على المهرجان، ولا ناطقًا رسميًا باسمه، ومع ذلك فإن المطلوب في تقديري في هذا الموضع وفي غيره، أن يجري الحوار الإيجابي الموضوعي، بما يقدم تغذية راجعة لأصحاب القرار فيسهم في التطوير والتحسين. وقد تكون بعض ملاحظاتك مهمة، وتستحق التوقف عندها، بالمراجعة والتمحيص. ولكن مع ذلك، وإحقاقًا للحق، فإنني أرى مضمون المهرجان متنوعًا بما فيه الكفاية، (مع أنه يمكن إثراؤه بلا شك بشكل أفضل) ولكن تظل المعادلة الصعبة دائما هي في جواب الأسئلة التالية: ماذا نبقي وماذا نلغي؟ من نرضي ومن لا نرضي؟ وما هي حدود الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة؟؟ ففاعليات وبرامج مهرجان ربيع الثقافة، تحولت مع السنين إلى ملمح رئيسي في المشهد الثقافي البحريني. بما يعكس نجاح هذه التجربة ورسوخها، ببرنامج حافل متجدد، بالرغم من شح الموارد وصعوبة الأوضاع المالية، من حيث ما يكرسه المهرجان من توجهات لجعل الثقافة جزءًا من الحياة العامة للمجتمع. وبالرغم من خفوت الأصوات المتمترسة في موقع معاد للثقافة ومشكك جدواها، باعتبارها من المحرمات، إذا احتفت بالرقص والموسيقى والتمثيل والتشكيل، فإن المشكلة ما تزال تكمن فيما أصاب بعض عناصر القوى الحيّة التي يعوّل عليها في النهوض بالثقافة من اختلاط الألوان واضطراب الرؤية... أما القول بنخبوية الفعاليات الثقافية لمهرجان ربيع الثقافة ولغالبية البرمجة الثقافية التي اشرت إليها، فمسألة فيها نظر، واعتبر شخصيًا التمييز بين الثقافة الرفيعة والثقافة الجماهيرية تمييزًا تقليديًا تجاوزته الثقافة الحديثة. ويبقى الاستثمار في المعرفة ونشر الثقافة الرفيعة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية سيجعل من الثقافة ذاتها جماهيرية، ويصبح الفكر جماهيريًا والمعرفة ملكًا للجميع، والفن يسكن في خيال وضمير كل إنسان، وفي كل بيت وصف دراسي، والذين يحاربون حضور الثقافة والإبداع فإنهم في الغالب أولئك الذين يعملون على تنميط المجتمع وقولبته.
أما ما أشرت إليه من ملاحظات وأفكار فأراها تدخل ضمن النقد الإيجابي الذي يستحق أن ينظر إليه بجدية كاملة، بالرغم من أنني أجد من الصعوبة بمكان الحديث - دون أن يكون في الأمر أي مجازفة معرفية - عن ثقافة للقرية وأخرى للمدنية في الحالة البحرينية؟ شخصياً أرى أن الحديث عن ثقافة للقرية وأخرى للمدينة غير دقيق، وذلك لأن الفرق بين القرية والمدينة في إطار هذا الواقع الجغرافي - الاجتماعي، ليس كبيرًا ولا بارزًا، لأن البحرين في النهاية مدينة كبيرة بضواحيها وأطرافها وتجمعاتها السكانية المختلفة، فمثل هذه المقارنة ليس لها دور في البنية الثقافية العميقة للمجتمع إلا في إطار محدود.
ومع ذلك فإذا كان بالإمكان من حيث الجغرافيا السكانية الحديث عما هو قروي وما هو مديني، فإن مثل هذا الحديث في الجانب الثقافي يصبح أقرب إلى المجاز منه إلى الواقع، لأن المسافة بين المدينة والقرية تقلصت على كافة الجوانب، ولأن نمط الحياة الاجتماعي والاقتصادي توحد أو كاد، ولأن ثورة الاتصال ألغت أي فوارق على صعيد التلقي المعرفي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها