النسخة الورقية
العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

برافـــو الجزائــــر

رابط مختصر
العدد 10961 السبت 13 أبريل 2019 الموافق 8 شعبان 1440

«إذا الشعب يومًا أراد الحياة.. فلابد أن يستجيب القدر/‏‏ ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أن ينكسر».. مقدمة لابد منها لتكون مدخلنا الى ما يحدث بالجزائر من ثورة نظيفة أو بيضاء كما نطلق عليها، فهي تسير هكذا حتى وقتنا الراهن، فما حدث في هذا البلد الشقيق الواقع في المغرب العربي والغالي على قلوبنا من الوطن الكبير لهو أسلوب راقٍ من شعب أثبت رقيه في التعامل مع الأحداث، فلم نرَ أي حوادث شغب ولا تكسير أو أعمال عنف وتخريب وتدمير متعمد للمتلكات العامة والخاصة. وحسنًا فعل الجيش الجزائري الذي انتصر لإرادة شعبه وأيد مطالبه في التغيير.. فهكذا يجب أن تكون الجيوش تنتصر لإرادة الشعوب ولا تقف حجر عثرة ضد طموحاتها، فهي من الشعب وإليه، وكما فعل المصريون في الثلاثين من يونيو 2013 فقد حقق الجيش أمل الشعب المصري في التغيير وتجاوز عنق الزجاجة التي أحكمت على آمانيهم في التخلص من نظام ديني فاشي. وهنا يجب أن يعلم كل حاكم أن جلوسه في الحكم يجب أن يكون برضا شعبه، فالحاكم الذي يعجز عن أداء واجبه أو تلبية ما يريده شعبه عليه أن يتنحى بكل كرامة ويلتزم بإرادة شعبه، فهو أتى الى الحكم بهذه الإرادة وتنفيذًا لها، وعليه أن يرحل نزولاً لها.. إن ما أعجبني في ثورة الجزائر التي تشابهت مع ثورة 30 يونيو، أن الجزائريين لم يركنوا الى العنف والتكسير ولا أي مظهر تخريب وشغب كما أسلفت.. هكذا يجب أن تكون الثورات بيضاء كما تعلمنا من التاريخ والأحداث.

ومن هنا أقول، إنه يحق للشعب الجزائري الذي شعر بالإحباط والغضب بسبب تفشي الفساد وارتفاع نسبة البطالة وتراجع حجم النقد الأجنبي وتدني النمو الاقتصادي في بلد يعد غنيًا بنفطه وبغازه الطبيعي، أن يفرح بنجاح ثورته البيضاء وتحقيق هدف التغيير رغم أنه غير كامل حتى الآن حيث يطالب الجزائريون بتغيير كامل للنظام القديم وليس مجرد رأس النظام، فالكل مشارك في دائرة الفساد والظلم وكبت الحريات وتعظيم دور الأمن والمخابرات في بلد لم يعرفه للأسف حكامه أو أساؤوا تقدير موقفه، فالشعب الجزائري معروف كيف سبب ألمًا مفجعًا للمستعمر الفرنسي وأذل أقوى جيوش العالم حينذاك. ومن نافلة القول في مقامنا هذا أن ننبه الشعب الجزائري أن ما تحقق حتى الآن أمر عظيم وهم بذلك يسيرون في طريق الخلاص من النظام القديم، ولكن الرسالة المهمة التي يجب أن يدركها هذا الشعب أن ما تحقق هو الجزء اليسير من ثورتهم أما الجزء الصعب فهو آتٍ في الطريق وعليهم أن ينتبهوا جيداً لكل خطواتهم المقبلة، فاستقالة الرئيس بوتفليقة قبل ترشحه للولاية الخامسة نزولاً على رغبة الشعب الجامحة في الشوارع منذ فبراير الماضي ليست النهاية وإنما البداية، فالثورات العربية التي عاصرناها بعد ثورة الياسمين التونسية وميدان التحرير في مصر وما أعقبهما في ليبيا واليمن وسوريا لهو أمر يصعب وصفه ولكنه واضح أمام الجميع، إنها مأساة حقيقية إذا استثنينا تونس ومصر من وصمة ما يطلق عليه «الربيع العربي» لا هو ربيع ولا يليق بوطن عربي عريق صاحب حضارات. أعود وأقول إن أمام الجزائريين فترة صعبة للغاية عليهم خلالها معرفة ماذا يريدون بالضبط، خاصة وأن بوتفليقة ترك سدة الرئاسة في وضع صعب يموج بالكثير من التحديات التي قد تنال من مستقبل هذا الشعب. فهو تقدم باستقالته ليترك أركان نظامه يديرون دفة الحكم لمدة ثلاثة أشهر كاملة وقد يستطيعون خلالها إعادة ترتيب الأوضاع بما يتسق مع أهدافهم التي تتناقض من أحلام وطموحات الشعب الجزائري.

 فالجزائريون وهم على أعتاب تأسيس الجمهورية الثانية في بلادهم بعد نهاية الجمهورية الأولى التي شملت 10 رؤساء آخرهم بوتفليقة ويمثلون جميعهم جبهة التحرير، عليهم التركيز في شكل الدولة التي يريدونها، ديمقراطية حقيقية ذات اقتصاد حر وتتمتع بحرية التعبير والتجاوز عن المخالفات الأمنية والقضاء على الفساد الى الأبد، وهذه أهداف ليست سهلة بالمناسبة، فعندما أراد المصريون غداة نجاحهم في ميدان التحرير مروا بأصعب تجربة في حياتهم، ولم يحققوا قيد أنملة مما حلموا بل انقلب حلمهم الى كابوس لولا الإرادة الإلهية التي أنقذتهم من براثن نظام ديني أراد خطف مصر والعودة بها الى العصور الوسطى.. وأمامنا تجارب سوريا واليمن وليبيا بدون الخوض في التفاصيل لأنها ماثلة أمامنا ولا داعي لتكرارها، فنحن نرى نتائجها على الأرض، سوريا (أم المشرق) تئن تحت سيطرة روسية - إيرانية - تركية وتخضع معظم أراضيها لجيوش أجنبية.. واليمن السعيد أصبح ممزقًا بين جنوب وشمال وجيشين، الأول وطني والثاني عميل لإيران، أما ليبيا وبالرغم مما يحدث فيها قبل أيام ومحاولات جادة من الجيش استعادتها من جماعة «الإخوان المسلمين»، فهي أضاعت من عمرها سنوات طويلة في حرب أهلية لا طائل منها سوي الخراب والدمار وتأجيل بناء المستقبل هناك.

 ويمكن لأي مراقب لأحداث الجزائر أن يرصد بعض النقاط المهمة التي قد تحول دون التحرك سريعاً في اتجاه تأسيس الجمهورية الثانية، ومنها الحرب بين أركان نظام بوتفليقة من أجهزة مخابرات وأمن ورجال أعمال ومستفيدين وبين الجيش الذي يحاول ترميم ما تم تدميره هناك، فعلى سبيل المثال تعرضت حركة الجيش بإعلانها ضم المخابرات بوزارة الدفاع، بعدما كانت تابعة لرئاسة الجمهورية، للقيل والقال، وراجت شائعات منها أن قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح يريد تعزيز إحكام سيطرته على السلطة، ويضعه في «وضع جيد» ليصبح الرئيس الفعلي للبلاد، هذا في الوقت الذي راجت فيه على مواقع التواصل الاجتماعي حملة رافضة لخطوة الجيش ومطالبته بالاكتفاء بحماية المرحلة الانتقالية وألا يتدخل في أي خيار سياسي يريده الجزائريون.. وقد نسي المغردون على هذه المواقع خطايا تلك الأجهزة التي ضمها الجيش لتكون تحت إمرته حتى لا يتلاعب القائمون عليها بالثورة، وتقديري - مجرد تقدير مبدئي للأحداث - أن خطوة صالح هذه ضرورية في طريق استكمال نجاح ثورة الجزائريين حتى يقطع الطريق على تلك الأجهزة المجال لتنظيم تمرد أو ثورة مضادة، فالخطوة تعد مهمة جداً في طريق تحقيق كافة مطالب الشعب، ولا تعكس أي رغبة لقائد الجيش قايد صالح لتعزيز قوته كحاكم فعلي للبلاد، خصوصًا أنه أعلن موقفه بصراحة ووقف مع الشعب وطالب بتنحية الرئيس وضرورة التزامه ببنود الدستور ومغادرة المشهد السياسي، الأمر الذي يتشابه مع دور رئيس مصر عبدالفتاح السيسي الذي وقف بجانب شعبه ضد الحكم الأخواني والقضاء عليهم.

 وثمّة مشكلة خطيرة تعترض ثورة الجزائريين وهي مطالتبهم بضرورة التخلص من كافة أركان النظام السابق وهم رئيس الوزراء نورالدين بدوي، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، ورئيس مجلس الأمة عبدالقادر بن صالح، باعتبار أن هؤلاء يشكلون خطرًا على البلاد لأنهم النواة الصلبة لجماعة الرئيس المستقيل.. والمشكلة أن بن صالح مخول بحكم الدستور بإدارة البلاد خلال 90 يومًا لحين وضع ترتيبات الانتخابات المقبلة تحت إشراف المجلس الدستوري الذي يرفض الجزائريون رئيسه بلعيز أيضا. والتساؤل: «هل يعي هؤلاء المرفوضون شعبيًا - رغم كونهم مدعومين بحكم الدستور - معني إدارة مرحلة انتقالية بالجزائر؟.. أم سيواصلون عملية الثورة المضادة ضد الرغبة الشعبية والالتفاف عليها؟.. ولهذا قلنا في البداية إن ما تم في الجزائر حتى الآن هو الأمر اليسير، ويبقى الصعب في الطريق، ولكن الأمل أن ينجح الجزائريون في إدارة شؤونهم وحسن اختيار الأصلح، فالثورات تكون غالباً في البداية بلا عقل أو رأس كما عهدنا في كل الدول العربية التي شهدت مخاضاً كهذا، وكل الخوف أن يخطفها متطلع أو فاسد يعيد الكرة من جديد «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت»، فعلى الجزائريين عدم الانزلاق الى هوة لا يستطيعون تجاوزها، وأملنا كعرب أن تستمر ثورتهم البيضاء ويتحقق كل ما يتمنون لحصد المكتسبات المرجوة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها