النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

«القيامة الرقمية»...

صناعة الإثارة والتحريض واختراق الخصوصية!

رابط مختصر
العدد 10958 الأربعاء 10 أبريل 2019 الموافق 5 شعبان 1440

مع تراجع الدور المؤثر لوسائل الإعلام التقليدية (الصحف والقنوات الفضائية والإذاعات) في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتراجع سلطة القوانين المتحكمة في الإعلام والنشر في ضوء الثورة الاتصالية، تحولت حملات وسائل التواصل الاجتماعي المتكررة في مواجهة القضايا الاجتماعية والاقتصادية بوجه خاص، إلى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للمجتمعات، تعيش على إيقاعها وتتأثر بها، وتتفاعل معها على نحو غير مسبوق (بغض النظر عن مدى صدقية المحتوى الإعلامي نفسه)، فيمكن نشر خبر كاذب، شرط أن يكون مثيرا فقط، مع الحرص على تقديم التوليفة إياها، بالصيغ اللافتة، ولا بأس أن يرافقها نداء ملهب للمشاعر. فالمهم هي الإثارة وليس صحة الأخبار. فقد ساهم التطور الحاصل في التكنولوجيا الاتصالية في خلق صناعة كاملة، هي صناعة الإثارة والتحريض واختراق الخصوصية. فغالبية ما ينشر هو عبارة عن تجميع للصور ذات الوقع القويّ، وبينها بعض النداءات أو التسجيلات الصوتية.. فالصور ذات حضور مطلق، والتي أصبحت وظيفتها جذْب المشاهد ولفت انتباهه وليس إعلامه. فالتقنيات الإعلامية الجديدة وتأثيرها الكاسح أدت إلى نهاية الإنسان المستقل بفكره القادر على وزن الأشياء بميزان العقل والمنطق إلا قليلا جدا، فأصبح أسيرا لما يقدمه الإعلام الجديد في خطاباته وصوره المتسارعة بكلمات قليلة وصور كثيرة، تبث في كل ثانية ودقيقة. ما أدى في النهاية إلى تعزيز النفوذ لهذا النوع من الاعلام الذي يستلب العقول في الكثير من الأحيان.
وهكذا أصبح الإعلام الجديد لا يؤثر في جمهور المتلقين فحسب، ولا يكتفي بأن يكون البديل الأساسي عن الإعلام التقليدي فقط، بل أصبح يؤثر على الأسرة والمدرسة والجامعة والأجهزة الرسمية والأهلية، وعلى قادة الفكر والرأي وصناع القرار، بما يحمله من معلومات واخبار القيل والقال التي يختلط فيها الحابل بالنابل، الصحيح بالدعاية والتشهير.
إلا أن ذلك كله لا ينفي أهمية هذا النوع من الإعلام الجديد وتأثيره (سلبا وإيجابا). فقد نشأت العديد من الظواهر والمؤشرات التي تتمظهر في ردود أفعال قسم كبير من الجمهور، وهي ردود أفعال متوقعة سلفا في أغلب الأحيان، لأنه من الطبيعي إذا ضاقت أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية تزداد نبرة الضيق ارتفاعا، ويحدث ذلك حتى في البلدان الأكثر غنى وتقدما. ولذلك أمكن رصد بعض تلك الردود سواء بين أوساط الجمهور العادي، او بين أوساط المحسوبين على النخبة الإعلامية والسياسية، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر الحملات الشرسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي على ضد عدد من المؤسسات الرسمية (وخاصة وزارات الإسكان- التربية- الصحة، ومن قبلها الكهرباء والإعلام، وهي جميعا وزارات خدمية تتعامل مع هذا الجمهور الواسع والمتنوع)، حيث اتخذت هذه الحملات طابعا عدائيا وتحريضيا في أغلب الأحيان. بما ينبئ عن نوع من التوتر، ليس مستعدا للتوقف للحظة فقط، للتأكد من مدى صحة المعلومة من المصدر (على الأقل)، ولا يبدي أي اهتمام بحجم المشكلة قدر اهتمامه بإنزال العقاب بهذه المؤسسات. فتنطلق الحملات، والشعارات والفيديوهات وحتى الرسوم الكارتونية. إلا أن الغضب الذي عبر عنه قسم من هذا الجمهور كان عاليا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمساس بالخدمات أو بالقوت اليومي للمواطن، مع انحسار الرخاء الاقتصادي، وتزايد الضغوط على ميزانيات الأسر، مع فرض نوع من الضرائب والرسوم الجديدة غير المعتادة. ويتم تشديد هذه الحملات في بعض الأحيان لأسباب سياسية مكشوفة تتعلق بالموقف السياسي العام، أو بالموقف من عدد من الوزراء بصفة شخصية.
إن أغلب هذه الملاحظات والانتقادات كانت مطروحة دائما- حتى إبان مرحلة الوفرة المالية- بل وكانت ضمن برامج ندوات الجمعيات السياسية وتقاريرها وبياناتها، أو ضمن أسئلة ومقترحات وتحقيقات المجلس النيابي في الفترات السابقة، وضمن العديد من المقالات التي نشرت حتى قبل الأزمة المالية، ولكن الجديد هو هذا القدر العالي من التوتر والتوتير من خلال نوعية اللغة والخطاب.
ومن المهم -رغم ما في هذه الحملات والانتقادات من نظرة جزئية ولحظية وسلبية- الانتباه إلى أنها إنذار مبكر عن حالة من القلق والاحتجاج، لا بد من تعرف أسبابه ودراسته بجدية كاملة، بل وأخذ كل ما ينشر ويقال -بغثه وسمينه- مأخذ الجد. وذلك لأن الأمر يتجاوز في جوهره تلك القصص التي يتم نشرها وتسويقها أو التضخيم من شأنها، بل يرتبط أيضا بأمور جدية وذات أهمية كبرى بالنسبة لمعاش الناس وحياتهم، مثل فرض بعض الضرائب أو زيادة أسعار المحروقات أو فرض بعض الرسوم على الخدمات وغيرها.
ولذلك، إذا كان علينا الاعتراف أن الطبيعة السريعة والمتنامية والكاسحة للإعلام الجديد، وضخامة ما يبثه، من جهات لا محدودة وبكل اللغات، يقابله ضعف الخبرة، وربما حتى ضعف المعرفة لدى قسم من جمهور المتلقين، ما يؤدي إلى التأثير عليه بسهولة كبيرة، ليس على مستوى نوعية المعرفة فقط، بل على مستوى السلوك والاستهلاك والاتجاهات والمواقف الاجتماعية والفكرية والسياسية، فإن كل ذلك لا يجب أن يؤدي إلى غض الطرف عما يبث عبر هذه الوسائل أو تجاهلها أو النظر إليها باستخفاف، بدعوى أنها مجرد فقاعات عابرة للزمن..!
وإذا كنا ندرك أن هنالك إمكانية كبيرة للتلاعب بالجمهور عبر هذا النمط من الإعلام الجديد، أو تشويه الصور من أجل إعادة تشكيل وبناء التصورات في أذهان الجماهير المستهدفة، عبر استخدام الوسائط المختلفة لتحقيق أهداف مختلفة، قليل منها قد يكون إيجابيا، وأغلبها يكون سلبيا.
همس
كتب محرر التكنولوجيا في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية «فارهد مانجو»: «لم يلتفت كثيرون إلى حجم الدمار الذي تسبب فيه استحواذ الإلكترونيات على عالم الأخبار، وما أدت إليه من تعظيم احتمالات التضليل والاستقطاب وتمرير الدعاية إلى القارئ. ففي ظل تقنيات سهلت فبركة الصوت والصورة بنفس سهولة فبركة النصوص، أصبحنا على أعتاب ما يمكن تسميته القيامة الرقمية، ولذلك يطالب القراء الآن الحكومات وفيسبوك بإنقاذنا من هذا المصير، إلا أن القارئ يقع عليه الدور الأكبر للتخلص من الأثر السلبي للأخبار المنتشرة عبر الوسائل الإلكترونية».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها