النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

ربيع دائم للثقافة

مع المحبطين المزمنين من النجاح..!

رابط مختصر
العدد 10956 الإثنين 8 أبريل 2019 الموافق 3 شعبان 1440

سألته بكل لطف: هل حضرت بعض فعاليات مهرجان ربيع الثقافة الرابع عشر؟
رد بعنف غير متوقع: لا ولن أحضرها، ولا أريد أن أحضرها ولا أرغب في الحديث عنها!!
قلت: طيب، لماذا كل هذه العصبية يا أخي، ولماذا كل هذا الرفض وكل هذا الغضب؟ هل هنالك من مبرر وراء هذا الموقف العدمي؟ هل هنالك من خطأ ما في مكان ما يدعوك لاتخاذ مثل هذا الموقف؟ هل لديك من رأي أو من وجهة نظر أفضل تطرحها في مواجهة هذا المهرجان الذي يبدو أنه يصيبك بنوع من التوعك وفقد التركيز، خاصة وأنك تقدم نفسك على أنك مبدع ومثقف؟!
قال: لا «تعور رأسي» من فضلك، فمجرد اسم «ربيع الثقافة» يصيبني بحالة عصبية، وأعرف أنك «تجرجرني كي أتحدث عن هذا الموضوع» فلا تحاول، فقد عزمت ألا أحضره وألا أتحدث عنه لا بالخير ولا بالشر. !!
تلك خلاصة (ليست كاريكاتيرية) لجانب من حديث جمعني بأحد الأصدقاء المثقفين، حاولت استطلاع رأيه في هذا المهرجان، في إطار الدردشة الثقافية العادية.
إن اللافت في هذا الموقف وأمثاله هو التقاء الأصوات المتمترسة في موقع العداء للثقافة وللتنوير وللفرح، مع أصوات محسوبة على الثقافة تتشكك في جدوى الثقافة عامة، وفي أهمية «الربيع» خاصة. فهذا اللقاء العجيب بين المتناقضات يفضي في النهاية إلى نفس النتيجة، وهي العداء للثقافة والفنون، وعلى رأسها الموسيقى والغناء والرقص والتشكيل، مع أن للثقافة دوراً حاسماً في صياغة المستقبل والتأثير فيه وعليه، فالتحوّلات العميقة التي يشهدها العالم تؤكد أنه لا بديل عن التميّز الثقافي لدخول ساحة المنافسة، مما يستدعي صياغة سياسة ثقافية تمتلك رؤية وتهدف إلى إبراز الطاقات الإبداعية المحلية وفتح أفقها على العالم الإنساني الفسيح، وتنويع حقول وفضاءات العمل الثقافي والاستفادة من المثقفين. لأن الثقافة في النهاية هي سبيلنا إلى التقدم والرقي، وهي أداة حاسمة للتعبير عن وعي الشعوب، وإبراز خصوصياتها، والتعريف بإبداعاتها، وترسيخ تواصلها مع سائر الحضارات والثقافات.
ومن المحزن أن هذا النموذج من العصاب (الثقافي)، وهذا الإحباط غير المبرر قد بدأ يتحول عند البعض إلى حالة مرضية مزمنة، تتجاوز الحق في النقد والانتقاد المعروف. فقد نفهم صدور مثل هذه المواقف العدمية من أصحاب الفكر العدمي الغارق في غياهب القرون الوسطى، ممن يصنفون الثقافة بمجملها، «ضمن البدع المفضية إلى الضلال، المفضي إلى الكفر المفضي إلى النار وبئس المصير»، فهذا أمر تعودنا عليه، ولغة بائسة لم تعد تحظى بأي قدر من الاحترام أو التقدير فأي مكان فيه إنسان وحضارة وإبداع. كما نؤمن إيماناً مبدئياً وقاطعاً لا لبس فيه، بالحق في الاختلاف، وخصوصا بحق المثقف بأن يكون له رأي مخالف للرأي السائد أو للرأي الرسمي، حول أي نشاط أو برنامج ثقافي أو توجه أو رؤية. ومن حقه أن ينتقد ما لا يعجبه كليا أو جزئيا، بما يجعل ذلك النقد في صلب الحراك الثقافي، قيمة مضافة. أما الذي لا يفهم ولا يمكن تفهمه بصراحة، فهو هذه النزعة العدمية المرضية الغريبة التي يتبناها بعض المنتسبين للثقافة. فهذا قسم من خلق الله لا يعملون ولا يتركون غيرهم يعمل. بل تحولوا إلى كتيبة إحباط مدججة بالعدمية والسلبية، أياً كان مسماهم، اختصوا بنشر الإحباط العام بين الناس، لأنهم أصيبوا بعاهة مستديمة ضد الإنجاز، جعلتهم غير قادرين على ابتلاع أي نجاح لأي كان، للدولة للمؤسسات أو للإفراد سيان، كل شيء عندهم (تزييف بهرجة زينة، تغطية، تطبيل وتزمير، تفاهة...). فلا يوجد إنجاز -مهما كان مهماً وكبيراً- إلا وسفهوه، ومهما تقدمت لهم الأيادي بالورود، إلا ورأوا فيها الشوك دون غيرها، وعمت عيونهم أن ترى فوقها الندى إكليلاً، فأصبحوا بذلك قاصرين عن تحقيق وجودهم إلاّ بوسيلة واحدة، وهي تحويل كل شيء جميل إلى سواد، وكل أمر ناجح إلى فشل. لا يعملون في ساحة الإنجاز والعطاء ولا يتركون من يعمل ينجز. لا فائدة ترجى من نصحك لهم. قل لهم ما تشاء وسوف تجد لديهم الشجاعة الكافية ليؤنبوك ويوبخوك لأنك حمَّلتهم ما لا طاقة لهم به، وما لا قدرة لهم عليه!
قد تتعكر حالتهم الصحية، مع كل هدف يتحقق خارج مرمى الإحباط. ولا تحلو الدنيا في أعينهم إلا إذا صنعوا كل أنواع العصيّ غير الصالحة في كل عجلة تدور من أجل التنمية ومن أجل الإنسان. ليس لديك حلول كثيرة، إما أن تفكر داخل قفص تفكيرهم، وتتحرك في إطار جدول الأكاذيب المصقولة والملفوفة في قراطيس التدجيل، وتكون طرفاً فاعلاً في تطوير طاحونة الطلاسم، وإما أن تتحمل تبعات رفض ترهاتهم، فيتظاهرون بأنهم أسمى منك، لأنهم يمتلكون القدرة على تحويل أي مشهد إلى مقبرة، وأي حادث إلى شهادة، ولا يطمئنون ولا يفرحون إلا إذا غرّد البوم في المكان الذي يحلون به، ويطيلون فيه المقام!!.
إن من يخرّب جهداً إنسانياً صادقاً وجميلاً، يبدي استعداده لتخريب وطن بأكمله، ويعلن عن استعداده لتحطيم عقل يرفض التواطؤ لتدنيس أصحاب النوايا الصادقة والابداع المتجدد، وتشويه صورتهم وفرض حصار البذاءة عليهم.
 
همس
أمشِ فوق السحاب وحيداً عبر الغيوم الراحلات،
مزق ستائر اللحظة،
ضوء الشمس لا يكفي،
لا شيء يحدث على الأرض
غير صدى في القلب،
حين تزهر البراعم،
وحين الحياة تنطفئ
ويبقى الصدى في الذاكرة
بحجم الجليد والأحراش
تسبح فيه الفصول،
تسكنه بيوت اليتامى،
حين تنتظر ساعات الشوق،
وحين يغني لها العشاق،
في عالم الغبطة المهاجرة،
تمتزج الأشياء فتأتي وتذهب،
تصل وترحل،
حينها ابحث في الليلِ الغريب،
عن رفيق النهارَ مثل طائر حزين،
غافيًا قرب أيادٍ،
لا تعرفُ سوى عبادة الساعات!
أمض مثل غيمةٍ فوق الجبال،
أقرأ في وجهَ الصخب الهارب،
وهذا البحر داخل الفم والقلب،
وهذا الفم داخل الوجه هو المحنة الدائمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها