النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

حين يبلعك النهر دون وداع

رابط مختصر
العدد 10952 الخميس 4 أبريل 2019 الموافق 26 رجب 1440

لا أحد فينا يجهل ان هناك بشرًا يموتون بالارهاب وفي ذات الوقت هناك بشر يموتون بسبب «جشع المال» لذا لا ارى مسافة انسانية في الوحشية بين حادثة نيوزيلندا وغرق العبَّارة في شمال مدينة الموصل في نهر دجلة. ليس بالضرورة أن تكون أنياب الموت ارهابية بقدر ما هناك من مؤسسات وبشر من اجل المال يسترخصون حياة البشر، يستخفون بها، وعادة تزداد ظاهرة الاهمال والتلاعب في البلدان الاكثر فسادًا وغيابًا للمراقبة والقانون الصارم.
تلك «العبَّارة» التي تعتبر تابعة للجزيرة السياحية تعود ملكيتها لأحد الفصائل المسلحة! وعلينا تخيل نمط هؤلاء البشر وهم يتاجرون بارواح الناس مثلما هي طلقات الرصاص التي يطلقونها على الضحايا كونهم ميليشيات منفلتة كبقية المليشيات في بلد تحولت كل مدينة ومحافظة وشارع ناطقة بروح الرعب والدم والقتل. تلك الاقنعة المريبة في العراق كل يوم تزاح من فوق تلك الوجوه المسخ والبشعة، فقد بات المال لجماعات كثيرة هو الغاية والهدف مهما كانت مصادره غريبة وفاقدة لادميتها، فلا يهم وسائل السلامة ولا مراقبة الطقس او التفتيش على عدد الركاب وهل تحتمل تلك العبَّارة هذا العدد الكبير؟ الجميع اكد ان العبَّارة طاقتها لا تحتمل اكثر من مائة راكب، ولكن المسكونين بجشع المال وجدوا ان مائتين راكب مرتع خصب للتلاعب والفساد، لتصبح فاتورة الشركة السياحية بدلا من مائة راكب اضافية باتت مائة ميت هم ضحايا «قذارة البزنس».
مثل تلك الشركات لا ترى في ارواح البشر غير فواكه فاسدة في سوق الخضرة ترمى في صناديق الزبالة. حين ابتلع نهر دجلة تلك الارواح البريئة فقد ابتلعها بأحلامها وكأنما مكتوب على هذا الشعب ان لا يحلم ولا يفكر بساعات من سعادة قليلة في «المدينة السياحية» كما هي لحظات الاب الجبوري الذي كان بصحبة زوجته وبناته الثلاث. عاش الجبوري ولن ينسى ابدا لحظات الموت والرعب وهو يفتش تحت الماء عن عائلته.
ابتلع النهر الزوجة والبنتين وترك له واحدة ليعيش معها طوال حياته ذكرى موت لا ينسى. مثل حكاية الجبوري وغيره هناك العديد من البشر وهم يغرقون مع العبَّارات في مدن كثيرة في العالم خاصة دول العالم الثالث، ولكن الموت في الانهر كنهر النيل ودجلة يذكرك بتلك الاساطير التي تنتظر العذراوات وهن يقذفن للموج. ما بين حزن نيوزيلندا وحزن العراق لم تكن هناك عدالة منصفة في السوشل ميديا، فالانسانية ووكالات الانباء احيانا «مهملة ومنحازة ولا مبالية» ولديها تصنيفات عجيبة في فهم طبيعة وموت الابرياء. والغريب كنت قبل فاجعة غرق العبَّارة اتحدث مع صديقي العراقي عبدالجبار الحلاوي عن فيلم يوتيوب شاهدته في السوشل ميديا، عن نوع من السمك لا يوجد إلا في مدينة الموصل وفي نهر دجلة، كانت السمكة وزنها 300 كيلو مما اثار استغرابي وجود سمك بتلك الاحجام في الانهر، غير أن الحلاوي اكد لي ان ذاك السمك يسمونه «البز» وطيب المذاق، وكان في زمن الدكتاتور صدام محتكر صيده «للزعيم» وكان يترك جزءًا يسيرًا منه للسوق الداخلية. واختتم الصديق العراقي بكرمه المعتاد وهو يقول: «عندما تأتي الى العراق سنأخذك للموصل لتتذوق ذلك السمك في سحر مدينة تاريخية عبقة». بعد يومين من حوارنا حدثت فاجعة العبارة وكأنني كائن منحوس.
حدثت الفاجعة مساءً، المساء الحزين ونحن كعادتنا ذلك اليوم نتبادل على الواتساب عبارتنا الشهيرة «هلا بالخميس» ذلك الخميس التاريخي الحزين، وسوف تتذكره تلك الشموع الباكية على جسر الجادرية فوق نهر دجلة في بغداد. حول الحياة الجشعة للمال في «وول ستريت» بنيويورك عام 1929م كتب لوركا قصيدته الرائعة «رقصة الموت» وهو يردد في خاتمة القصيدة «القناع الهائل.. انظروا القناع الهائل! كيف يبصق سم الغابات.. عبر أسى نيويورك الذي لا يكتمل!».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها