النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

جمعان الرويعي.. خيل الصعاليك وطائر الزيتون..

رابط مختصر
العدد 10952 الخميس 4 أبريل 2019 الموافق 26 رجب 1440

إن كلمة شكرًا التي وجهها الفنانون البحرينيون للفنان المسرحي وممثل الدراما التلفزيونية الاستثنائي المغاير والمبدع جمعان الرويعي في (post) عبر السوشيال ميديا بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، لا تفيه حقه ولا تنصفه ولا تحدد موقعه في خارطة المسرح والدراما التلفزيونية في مملكة البحرين والخليج العربي، فالفنان الرويعي أكبر من ذلك وأهم بكثير، فهو تجربة معجونة بقلق الإبداع منذ تورط جسدها الصغير الغض المضطرب والمغامر والذي يبدو أكبر بكثير من عمره، في مسرحيات الأطفال، وخاصة مع الفنان حمزة محمد في مسرحية باسمة والساحر، التي عرفت جمهور المسرح بهذا الفنان الطفل الذي غالبًا ما يخالف ويعاكس شخصيته الخجولة الهادئة في الحياة اليومية بأدواره التي تحرج بطاقتها الأدائية المتوقدة الفنانين الكبار الذين يشاركونه الأداء في المسرحيات التي تجمعهم معه.
وهو الشخصية التي لفتت بحضورها الفني المبكر والمتوهج، بعض أساتذة المسرح المدرسي من الفنانين المسرحيين، فراحوا يوجهون اهتمامهم له ويحفزونه على مواصلة التمثيل واختياره طريقًا له في حياته بعد التخرج، ومن بين هؤلاء الأساتذة، الفنان الراحل صالح الفضل، الذي ساهم مساهمة كبيرة في احتواء التلميذ الابتدائي الصغير جمعان الرويعي، بجانب أساتذة مسرحيين آخرين مسكوا بزمام إدارة المسرح المدرسي في وزارة التربية والتعليم وفي مدارسها الحكومية إبان السبعينيات وما تلاها من سنوات، من بينهم الفنان القدير سامي القوز، والأستاذ الفنان الراحل عاطف السلطي، والفنان القدير عادل عفيفي، والفنان الراحل سالم سلطان، الذين لعبوا دورًا كبيرًا في تنشيط الحراك المسرحي في المدارس آنذاك.
إن هذا التلميذ الصغير المحب العاشق للمسرح، كان كبيرًا بين زملائه، وكان مؤثرًا فيهم دون أن يعي هو ذلك، أو دون أن يعوا هم بذلك، فكانت أدواره مميزة وملفتة، بل أنها مؤثرة حتى في الأساتذة الذين يخرجون المسرحيات التي يشارك فيها ويكون له فيها نصيب الأسد من الأدوار والحضور المسرحي ومن الفرجة التي كان الجمهور فيها يشير بالبنان إلى موهبة هذا الطفل القلق الموهوب ويتوقعون أن يكون له مستقبلاً باهرًا في التمثيل، خاصة وأن تلك الفترة، الثمانينية تحديدا من ذاك القرن، تعج بجمهور مثقف واعٍ متواصل مع كل شؤون الحياة بما فيها الفن، وغالبًا ما يسهم هذا الجمهور في احتضان الفنانين وتشجيعهم على مواصلة الدرب في المجال الفني الذي استهواهم واستهووه، ولعل تشجيع هذا الجمهور المثقف والمحب للمواهب الطفلية للمسرح، هو من أسهم أيضا في تلقف بعض الفرق المسرحية الأهلية لهذه المواهب، ومن بين هذه الفرق، فرقة مسرح أوال التي احتضنت الكثير من المواهب الطفلية آنذاك والتي أصبح لها شأن كبير في مسرحنا الأهلي وفي الدراما التلفزيونية اليوم، ومن بين هذه المواهب، موهبة الفنان جمعان الرويعي الذي زاد ألقه الفني، مثلما ازداد قلقه المسرحي أيضا، بعد أن صار محط اهتمام المسرحيين الكبار في هذه الفرق المسرحية الأهلية، وكما لو أنه أدرك مبكرًا عبء هذا الفن على حياته، فهيأ ذاته وطاقته لتحمل مسؤوليته مهما كانت مؤرقة أو ثقيلة او جسيمة.
ويكبر بجمعان الهم والحلم، ليجد نفسه شابًا يافعًا متوهجًا يضيء روحه في مسرح الأندية، وخاصة نادي مدينة عيسى، الذي تأسس فيه أول مختبر مسرحي في البحرين بقيادة الصديق المخرج عبدالله السعداوي، لنكون أمام طاقة مشتعلة بقلق المسرح الخلاق والمغاير، وكانت مسرحية (الرجال والبحر)، إخراج السعداوي، أول مفتتن التجريب في الأداء المسرحي، حيث كان جمعان في مواجهة قلقه الذي كانت ذاته تعتمل به منذ طفولته، فوجد ضالته في هذه المسرحية، لنرى جمعان ذلك الفنان الذي يشب عن طوق ما تجسده في مسرحيات الطفولة والنشأة، وليشكل حضورًا لافتًا على مستوى تقنية الجسد والصوت واختبارهما من خلال استقصاء ارتجالي يومي قاس هندس شخصية أخرى في تكوين جمعان الرويعي المسرحي.
وفي هذا النادي خاض الرويعي جمعان غمار الإخراج للمسرح، الذي اكتشف من خلاله بصحبة صديقه الفنان المهووس بالجسد، وخاصة الجسد الكوروغرافي المعبر والراقص، الفنان مصطفى رشيد، ليكون جمعان واحدًا من أهم من أسهم في مسرحنا البحريني في الاشتغال على الجسد الراقص بجانب قرينه الفنان مصطفى رشيد.
وتجد هذه التجربة متنفسها الحقيقي، في مسرح الصواري، الذي لحظتها، ولا أنسى ما حييت ذلك، كان جمعان مهيأً لأن يكون أحد مؤسسيه قبل إعلانه، لولا جذب فرقة مسرح أوال له ومنحه العضوية في دقائق قبل إعلان مسرح الصواري تأسيسه، لألحظ لحظتها حجم الندم على وجه جمعان الذي كان يحلم أن يكون عضوًا فاعلاً مع الأعضاء الذين شاركهم مختبر نادي مدينة عيسى وتسكع معهم جمالاً وحبًا في المسرح على سواحل البحرين ضمن تدريبات كان يجريها السعداوي لمسرحيات أو لورش اكتشافية جديدة للجسد والتنفس والمكان وفضاء العرض.
ولكن جمعان الرويعي، وبالرغم من كونه عضوًا في فرقة مسرح أوال، إلا أنه كان منجذبًا وبقوة إلى فرقة مسرح الصواري، فاشتغل في ورشهم، وشاركهم مهرجاناتهم الشبابية، وكانت مسرحية (رجل وامرأة) التي اعتمدت على الأداء التعبيري الراقص مع الفنانة فضيلة المبشر، واحدة من أجمل العروض المسرحية الشبابية التي قدمت في مهرجانات الصواري الشبابية، ثم تلاها بتصميمه بجانب الفنان مصطفى رشيد، وتنفيذهما للأداء الكوروغرافي لمسرحية (سالفة راضي)، من إخراج الفنان إبراهيم خلفان، وبعدها مسرحية (اسكوريال) للمخرج عبدالله السعداوي، الذي صمم ونفذ فيه أيضا جمعان الرويعي المشهديات التعبيرية الراقصة التي حظيت بإعجاب جمهور عالمي في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 93، وكانت بجواره أداء، الفنانة فضيلة المبشر أيضا.
وتتجلى طاقة جمعان الرويعي في أقصى مدياتها، في مسرحية (شاطئ الزيتون) للمخرج التجريبي الراحل الدكتور عبدالرحمن عرنوس، الذي أعجب أيما إعجاب بالفنان الرويعي عندما جمعته به فترة الدراسة الأكاديمية للمسرح بالقاهرة، بعد أن اضطرت دولة الكويت أن تبعث بطلباتها إلى هذه الأكاديمية لمواصلة دراستهم إبان الغزو العراقي على الكويت.
في هذه المسرحية، نكون أمام طاقة أدائية آسرة ساحرة غير عادية في استقصائها البحثي المختبري البعيد للجسد، فكان جمعان بين نجوم المسرح في هذه المسرحية كوكبًا مضيئًا، فكان جسده يتفلت بطريقة غير عادية بين الحبال، من أعلى إلى أعلى، إلى أسفل إلى أبعد فأبعد، وكانت الأغصان والحبال هو مطواعها وهو قائدها، وكنا بالرغم من إعجابنا وذهولنا بهذا الأداء المحلق والمتقافز، إلا أن قلوبنا كانت في الوقت نفسه تتوجس حدوث أمر نخشى على هذا (الفتى الطائر) تبعاته وخطورته.
إن هذا الدور كان بالنسبة لي وأنا أشاهده في حينها، وقد كتبت عنه وعن المسرحية أيضا في حينها، يعتبر أصعب امتحان يقدم لممثل محترف في أداء الجسد وليس لطالب أكاديمي يتلقى فنون المسرح وأساسياته، ولكن جمعان كان أهلاً لمثل هذا الدور وكان حقًا نجمًا في هذا المهرجان، وما أشد حزن عرنوس رحمه الله عندما غادر جمعان القاهرة، إذ كان بالنسبة له واحدًا من أهم الممثلين الذين اشتغلوا معه في المسرح، ويرى فيه بشارة جديدة في مسرحنا العربي.
ويستقر الحال بجمعان في البحرين بعد التخرج من أكاديمية الفنون بالقاهرة، ولكنه جمعان المجبول والمغمور بقلق الصعاليك وارتحالاتهم في حياتهم وتجاربهم التي لا تعرف استقرار على الإطلاق، وكما لو أن جمعان الرويعي يجسد مقولة الكاتب الروسي (تشيكوف): «الاستقرار هو أن تستقر في كل مكان»، فيقدم خلال هذه الارتحالات عددًا من المسرحيات مع فرقة أوال، مثل خور المدعي وعرس رشدان، بجانب بعض الأعمال المسرحية التي لم تجد روحًا تستهوي قلق هذا الفنان في داخله، فتستنطق هذا الصمت المريب والموارب لدى جمعان والذي غالبًا ما يعبر عنه بضحكته الطفلية أو الصعلوكية الساخرة ويمضي، ولا تعرف ما حكاية هذا الفنان.
ولكنه الصمت الذي يدخر رؤية جديدة ومغامرة، تستعيد لروحه بعض ما منحه في مسرحيات وأدوار قدمها، كدوره في مسرحية ( شاطئ الزيتون)، لنجد أنفسنا أمام تجربة إخراجية جديدة يطرق جمعان أبوابها بتحد وبثقة، وهي مسرحية (عذاري) لمؤلفها الشاعر والكاتب المسرحي علي الشرقاوي أنعم الله عليه بالصحة والعافية وطول العمر، هذه التجربة يحلم جمعان بأن يرى روحه الأدائية تتجسد فيها من خلال ممثلي عرضه، فهي واحدة من التجارب التي تستحق تسليط الضوء عليها في حوارها مع الموروث الأدائي والتي قدمها عام 2003 في البحرين، وبرؤية مغايرة في تجريبي القاهرة عام 2004، ولقد استوحيت المسرحية، التي ألفها علي الشرقاوي عن ثلاثية «عذاري»، من أجواء تايلوس ودلمون، وتحكي المسرحية معاناة شعب تايلوس من خلال شخصية «عذاري» التي تغرم بفرد من عامة الشعب، وتبدأ معه كفاحها ونضالها ضد الحكم في سبيل تحقيق الحرية للشعب.
في هذا العرض الأسطوري الذي ينبض برقيق الكلمات التي تركز على الحالات النفسية والدرامية معًا والمفعمة بالألوان والأغنيات والضوء والظلال، والذي يعتمد على أدوات بسيطة لكنها غنية ومؤثرة من خلالها تنمو حركة الاحداث والشخوص ويتفاقم الصراع والذي يتم تجسيده داخل الاقمشة فتصبح جبالاً حمراء وسوداء وبيضاء أو تلالاً صغيرة أو وحشًا يلتهم الناس أو بحرًا بجانب تضافر الضوء المتعدد والبقع معضدة بالموسيقى الأسطورية الطقوسية التي تتواشج مع الأداء الطقسي صوتًا وحركة وإيماءة، في هذا العرض يلج المخرج جمعان الرويعي البعد الميثولوجي‮ ‬لحياة أهل تايلوس، ليفسح المجال واسعًا أمام مخيلته ورؤيته في قراءة الطقوس التي تجاور وتلازم هذه الحياة، وليشكل من خلالها مشهديات جوقية معبرة عن طقوس أهل الماء والينابيع في الخصب واليباب، صانعًا بمخيلته هذه موروثه الأسطوري الذي يكون سعف النخيل مرتكزه الأساس ومحوره الخلاق في الحوار والصراع والحزن والفرح، ولتصبح رقصة الألوان التي استمدها المخرج من جذور حضارة دلمون وحتى يومنا هذا، محورًا أساسيًا في تآخيه مع مفردات الموروث الشعبي الذي لازم أهالي البحرين في أفراحهم وأحزانهم وغضبهم، فلا يمكن أن نرى الأخضر والأحمر دون أن نرى طقس «الجلوة البحرينية» أو الخليجية حاضرة فيه، ولا يمكن أن نرى سعف النخيل دون أن نستذكر طقوس الزواج والفرح، حيث تصبح هذه السعفات بوابة الزواج في أفراح أهل البحرين، ولا يمكن أن نرى الأسود دون أن نرى معه لحظات وحالات الحزن التي تتبدى في مظاهر كثيرة ومناسبات كثيرة في البحرين.‬‬‬‬‬
كل هذه الألوان والمفردات، تمكن المخرج جمعان الرويعي من أن يشكل منها موروثًا جماليًا دلاليًا ينتمي للغة المسرح وللمخيلة التي تقترح فسحها على هذا الموروث الشعبي.
 ويحسب للفنان المخرج والممثل جمعان الرويعي، أنه أحد المؤسسين لفن الكوريغرافيا في مسرحنا البحريني، بجانب صديقه الفنان مصطفى رشيد، وقد صمم الكثير من الرقصات التعبيرية لبعض عروضه ولبعض عروض بعض المخرجين، من أمثال المخرج عبدالله السعداوي والمخرج إبراهيم خلفان، ويعد أحد أهم من أدى هذا الفن في عروضنا المسرحية، لذا لا غرابة في أن يبعث الرويعي روحًا جديدة يتقاطع فيها الأسطوري المتخيل مع الواقعي الملموس والمشهود في موروثنا الشعبي الأدائي.
وبعد هذه التجربة، يقتحم جمعان تجربة جديدة كممثل، من خلال المسرح التفاعلي للأطفال، وكانت مسرحية (لنه كلنه)، إخراج الفنان حسين الحليبي، وكانت هذه التجربة نشاهد جمعان الطفل والذاكرة والدور، لقد تمكن من التواصل والتفاعل مع المتفرجين الأطفال حد أن يتحول هذا العرض إلى واقع وحقيقة، لا حالة ومواقف فنية يزهو بها ويحتفي المتخيل.
ولكنه جمعان، حيث لا استقرار إلا بما يدعو إلى اللا استقرار، فبمثل ما كان آسرًا وساحرًا في أدائه في المسرح، وبمثل ما كان مقنعًا ومؤثرًا في ورشه المسرحية وفي مشاركاته الاحتفالية في فعاليات ومهرجانات، مثل (تاء الشباب) و(مهرجان سمو الشيخ خالد للمسرح الشبابي) وغيرهما، فهو بالقدر نفسه آسرٌ وساحرٌ في أغلب أدواره التي قدمها في الدراما التلفزيونية، ورصيده من الأعمال كبير ومهم، ولكن من ينسى فينا دوره في سعدون، هذا البطل الشعبي الذي أكساه جمعان الرويعي لكنة قبضايات أهل الرفاع ومواقفهم التي لا تنتظر من يحسمها حين يتأزم الموقف؟ ومن ينسى دوره في العاشق في حلقة عويشه؟ ومن ينسى دوره سلمان في مسلسل (نيران)؟ وهنا يهمني أن أشيد بالجهد الفني الرؤيوي للفنان المخرج أحمد يعقوب المقلة، الذي استطاع حقا أن يمنح جمعان هذا الزخم من الضوء الخلاق في أدائه لمختلف الأدوار، حتى بات جمعان الرويعي الممثل الأهم في الدراما التلفزيونية البحرينية، مثلما هو كذلك في المسرح، الممثل الذي يخشى كبار الممثلين حضوره بينهم، فهو ممثل حتى وإن غاب جسده عن الشاشة أو المسرح، مثلما كان دوره في (الحلاج وحيدًا) والذي كان صوته فحسب يتملك حضور الجسد وبقوة في فضاء المسرح بالرغم من غياب جمعان من على خشبة المسرح كحضور مادي حي. فهنيئًا لنا بك جمعان الرويعي وهجًا إبداعيًا أدائيًا خلاقًا استثنائيًا مغايرًا، يستحق منا الكثير الكثير من العرفان والتقدير، ومهما قلت في حقك شكرًا، سأجدني قد كنت مقصرًا في حقك أيها القامة الشامخة التي ينبغي على كل فنان أن يتعلم منها، وأقلها صمت جمعان وقلقه الإبداعي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها