النسخة الورقية
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

غرس الآباء والأجداد

رابط مختصر
العدد 10951 الأربعاء 3 أبريل 2019 الموافق 25 رجب 1440

من هي إيران التي تهدد أكثر من 360 مليون عربي يعيشون في دول مستقلّة تملك ثروات متنوعة ممّا لا تمتلكه مجتمعات أخرى؟ هذا السؤال تبادر إلى ذهني وأنا أتابع أكثر المتحدثين في مؤتمر القمة العربية الذي عُقد في تونس يوم الأحد الماضي وهم يشيرون في كلماتهم بصريح القول إلى أن إيران تسعى للسيطرة على العواصم العربية. هذه الإشارات تؤكد ما قاله معالي وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة يوم الثلاثاء الموافق 26 مارس 2019 عندما أشار في كلمة تدشين الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء وترسخ المواطنة بنادي الضباط وسط حضور حكومي وأهلي وإعلامي كبير، بالقول إن «... استهداف الهوية الوطنية والوحدة الوطنية وتحديدا من إيران يتم عبر تكريس نهج التطرف والطائفية».
هذا في حد ذاته يفرض على الحكومات مسؤولية جسيمة في الذب عن الهوية العربية. فهل ما نحتاجه يتمثل في تعزيز القوة العسكرية لكل بلد من البلدان العربية فحسب؟ لا أعتقد أن ذلك كافيا، خاصة أن الترسانة العسكرية للبلدان العربية متخمة ولا يُعرف حقيقة أين يمكن استخدام كل هذا الكم منها. البلدان العربية في حاجة، إلى جانب الاستعدادات العسكرية، إلى تعزيز مقومات الهوية الوطنية، وفي حاجة إلى خطة عربية تُعنى بغرس قيم المواطنة وتعزيز حضورها لدى الناشئة خاصة ولدى كافة فئات المجتمع ومكوناته. خطة تتكسر عليها أطماع الإيرانيين وغير الإيرانيين.
في عام 2014، أي بعد سنوات ثلاث من العاصوف الطائفي، واشتداد الحرب الإعلامية التي كانت تقودها إيران وقطر ضد المجتمع البحريني طرحت في مقال لي بعنوان «ثالوث التربية والأسرة والإعلام» نُشر في هذه المساحة بسؤال مفاده «أين نحن اليوم من مجتمع الآباء والأجداد؟»، وما كان طرحي لهذه السؤال إلا لأن المجتمع البحريني من المجتمعات التي ظلت ردحا من الزمن تفخر بتنوع أعراقها وتعدد مذاهبها مما زادها ثراءً ثقافيا، وقد استثمر آباؤنا وأجدادنا هذه الميزة فشيدوا مجتمعا متحابا ينعم بالأمن والسلام ووضعوا اللبنات الأولى للنهضة التي نشهدها اليوم، إلى أن تمكن الإيرانيون وبسبب من ضعف في الانتماء لدى مجموعة من المواطنين الذين أغوتهم مذهبيتهم وزاغت بهم النرجسية في الانقلاب على وحدة المجتمع وعلى الدولة، من شق الوحدة الوطنية بإيقاظهم وتحريضهم على الطائفية في وجدان
مجموعة كان سلوكها المذهبي الطائفي غلّابا على السلوك الوطني والمواطني. فكانت الأزمة التي تفجرت في فبراير 2011 شديدة، وتضحيات رجال الأمن فيها كثيرة، وخسائر الدولة الاقتصادية كبيرة، والندوب في المشهد الاجتماعي بائنة. إن كلفة ضعف الانتماء فادحة، وتستوجب من الدولة بمؤسساتها المختلفة الانتباه إلى ضرورة الإبقاء على وحدة المجتمع متماسكة؛ لأن في ذلك وحده قوة الدولة وهيبتها وأسباب نجاحها في تحقيق تطلعات سائر المواطنين لرفاه اجتماعي وفكري ومناخ اجتماعي سليم.
لا شك أن المسؤولية الوطنية لتعزيز الانتماء وترسيخ قيم المواطنة مسؤولية مشتركة بين الأطراف الوطنية. فهناك أدوار للدولة ومؤسساتها المختلفة، ومؤسسات المجتمع المدني على اختلافها، وكذلك للأسرة والأفراد، وإخلال أي طرف من هذه الأطراف بدوره لن يكون في صالح الخطة. فالعمل تضامني في المقام الأول. ومن المطمئنات التي يمكن تلمسها في حضور التدشين، وتشير إلى أن الأمور ستسير وفق المخطط له، هو حضور الوزراء والمسؤولين الذين سوف يتشاركون سويا في تنفيذ الخطة، وهنا أقصد على وجه الخصوص وزراء كل من العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف والتربية والتعليم والإعلام، وذلك من خلال 70 مبادرة مختلفة تحقق مجموعة من الأهداف التي تُعد في ذاتها أفقا ممكنا لقواعد العيش معا في ظل دولة المواطنة.
كلمة معالي الوزير مبشرة بالخير وتنم عن عزم حكومي أكيد في تنفيذ ما جاء في الخطة بالحرص والأمانة المطلوبين، ولكن لعل المجال هنا يسمح بأن نُلفت النظر إلى بعض الملاحظات. لا شك أن التحديات التي وردت في الكتاب التعريفي تحديات جسيمة، وجميعها ينبغي أن نحرص على مواجهتها بما تقتضيه المصلحة الوطنية من واجبات. التحديات، الداخلية والخارجية، لها تأثير مباشر في قوة الانتماء المستهدف وضعفه. غير أن هناك بعضا من التحديات ينبغي إيلاؤها الأولوية أكثر من غيرها؛ لأنه قد ثبت بالملموس تأثيرها الشديد في الأحداث التي عصفت بالمجتمع البحريني. منها على سبيل المثال: (1) «تأثير الخطاب الديني المعزز للانتماءات الفرعية على حساب الانتماء الوطني.» المنابر الدينية (2) «منافسة وسائل الإعلام المختلفة للإعلام الرسمي.» القنوات الفضائية مثل: الجزيرة والعالم (3) «التأثير السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي».
اليوم يأتي الدور على الدولة وعلى مؤسسات المجتمع المدني بكافة مكوناتها للقيام بدورها التاريخي والحضاري والوطني لرفع مستوى الوعي بالهوية الوطنية، اقتداء بما قام به الآباء رغم أن البيئة لم تعد مثلما كانت عليه أيام الآباء والأجداد؛ إذ باتت موبوءة بما تنفثه أفاعي الطائفية من سموم التفرقة والطائفية والكراهية.
ولهذا فإن التحديات إجمالا، والتحديات الثلاث التي أشرت إليها في هذا المقال تقتضي منا أن نكون متضامنين في التصدي لها وقهرها. الخطة الوطنية لتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ قيم المواطنة مجال واعد يُعول عليه في بناء مجتمع مستقر ومسالم مجتمع متحاب متضامن يدين بالولاء للبحرين وحدها، ويقدم مصالحها على الانتماءات الحزبية والمذهبية والإيديولوجية.
غرس الأجداد لن تنقطع ثماره لوجود رجال ونساء ما تنفسوا غير هوى حب البحرين فنبضت قلوبهم ولاء لأرض طيبة بادلوها حبا بحب؛ فقدموا لها ولشعبها المتسامح المحب للعلم والعمل بلسما لجراح أحدثها خفافيش الظلام وعنوانا لمناعة مستدامة من أمراض الطائفية والتفرقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها