النسخة الورقية
العدد 11091 الأربعاء 21 أغسطس 2019 الموافق 20 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:49AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:09PM
  • العشاء
    7:39PM

كتاب الايام

ما يجب استخلاصه:

استحالة القفز على درس التاريخ

رابط مختصر
العدد 10951 الأربعاء 3 أبريل 2019 الموافق 25 رجب 1440

من الدروس المستفادة من الحراك الاجتماعي السياسي الشعبي في أكثر من بلد عربي وغير عربي، أنه لم يعدْ من الممكن منع التطلعات المشروعة للشعوب في الحرية والعدالة والكرامة، ومن حقها في المشاركة في رسم مصيرها ومستقبلها.
ومن الواضح أيضاً أن أي سلطة، مهما امتلكت من مصادر ومظاهر القوة المادية والمعنوية وحتى السياسية، لم يعدْ بإمكانها منع الناس من حقهم في التعبير عن تطلعاتهم المشروعة، والمشاركة في بناء أوطانهم، والتأثير في بنيانه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما يعود عليهم وعلى أبنائهم بالخير والنماء والاستقرار.
هذا هو الدرس الذي يجب استخلاصه من الاحتجاجات الشعبية العربية وغير العربية، حيث لا يمكن أبداً أن يتم القفز على هذا الدرس أو مناورته بالوسائل التي تضيع الوقت، وتحول دون الإصلاح والرشاد السياسيين.
الدرس الثاني من هذه الهبَّات وتداعياتها، يتمثل في خطورة ركوب هذه التطلعات من مجموعات سياسية واستغلالها فئوياً لتحقيق مآرب ضيقة على حساب الناس، وعلى حساب مصالح الوطن، ما يعد انحرافا خطيرا، لعله أخطر في نتائجه وتأثيره على الناس من تسلط بعض السلطات نفسها.
فإذا كانت بعض هذه السلطات العربية وغير العربية - في سبيل حفاظها على وجودها وتأثيرها وشرعيتها - تحاول قدر الإمكان الموازنة بين تلك المصالح، وبين الاستجابة للتطلعات الشعبية، فإن المغامرة السياسية غير الرشيدة لتلك الجماعات، تتلاعب بعض أجنحتها بمستقبل الشعوب، بما يؤكد حقيقة، أنها غير معنية بالإصلاح وبالديمقراطية أصلاً، بقدر اهتمامها وعنايتها بالوصول إلى السلطة مهما ارتفع الثمن، ولو على حساب الناس واستقرارهم وأمنهم ومعاشهم ومصالحهم، ولو على حساب استقلال البلدان وسيادتها.
لا شك أن الحل بعيد المدى والذي سيشكل صمام الأمان الوطني يقوم على تكريس الديمقراطية وتعميمها. والديمقراطية هنا لا قيمة لها من دون حرية، ومن دون الاستمرار في بناء حصون الإصلاح السياسي والاقتصادي المتوازن، والذي يراعي مصالح كافة الأطراف والقوى الاجتماعية. فالإصلاح يظل مرتبطاً بالضرورة بالديمقراطية ويترجمها عملياً إلى برامج ومشاريع وقوانين وأفعال على الأرض. لأن الاكتفاء بإطلاق الشعارات لا يمكن أن يقنع الناس، لأن ما يقنعهم فقط هو اقتران الأقوال بالأفعال. كما أن البرامج والمشروعات التي تراعي كافة المواطنين ومصالحهم هي تلك التي تشعرهم بوجودهم وفاعليتهم وتمتعهم بالحرية، ولكن يجب أن تتم هذه العملية بأقل الأثمان وأفضل الطرق، من خلال جعل معركة الحرية والديمقراطية والمشاركة، ضمن رؤية تحقيق الربح بمعناه الوطني العام، وليس بمعناه الفئوي الضيق.
وفي جميع الأحوال فإنه لابد من توافر عدة ركائز أساسية كي نتجاوز حالة الدوران في حلقة مفرغة وعدم القدرة على الموازنة بين بناء حياة ديمقراطية ضرورية ونافعة، وبين الحفاظ على التوازن والاستقرار الاجتماعي والسياسي من ناحية ثانية:
-    الأولى: أن الديمقراطية هي في الأساس حرية، وليست مجرد فعل إرادي لحظوي، وليست مجرد صناديق اقتراع يحتكم إليها الناخبون، وليست أقلية وأغلبية، وإنما هي احترام للحرية. فسلطة الصناديق لا يجب أن تسمح للفائزين بضرب الحريات الخاصة والعامة، وبالتالي إعادة انتاج الاستبداد. ويمكن أن نستذكر هنا التجربة الفاشية في ايطاليا والنازية في ألمانيا، وهما التجربتان اللتان وصلتا الى السلطة عبر صناديق الاقتراع بنسبة تفوق 80% من أصوات الناخبين، ومع ذلك كان الحزبان الفاشي والنازي حزبين غير ديمقراطيين، انقلبا على الحرية ودمرا المجتمعين الإيطالي والألماني والعالم قاطبة.
-    الثانية: هو الحاجة الماسة إلى التوافق الوطني في البلدان العربية بوجه خاص، نتيجة للانقسامات الحادة (الاثنية والطائفية والمناطقية) باعتبار أن التوافق حاجة وآلية وثابتاً من ثوابت تثبيت النهج الديمقراطي. حيث تحتاج الديمقراطية إلى اتفاق وتعاقد حول مشروع مجتمعي على نظام سياسي مدني يتوافق الناس على معماره وعلى الأسس والعناصر الكبرى التي يقوم عليها، مثل: (طبيعة الدولة - طبيعة المجتمع وطبيعة الاقتصاد وطبيعة الحكم، ضمن سياق الحرية والدولة المدنية)، وسيتيح تحقيق البناء الديمقراطي على أساس من التوافق استقراراً ممتداً، لا يمكن الانقلاب عليه في أي لحظة.
-    الثالثة: ضرورة التأكيد الفصل بين السياسة والدين هو الثابت الثالث في البناء الديمقراطي. ومن دون تحقيق ذلك سوف يستمر تدخل رجال الدين في السياسة وتشويهها ومنعها من التطور الطبيعي. كما سيستمر استغلال وتوظيف الدين في إدارة الصراعات السياسية. فالدين في النهاية هو ملك للجميع والقاسم المشترك بين الجميع، ولذلك لا يجوز توظيفه أو استغلاله في المجال السياسي. فأوروبا سبق لها خوض حروب على مدار قرن كامل من الزمن /‏ لتحرير الإنسان والمجتمع من التشابك بين الدين والسياسة، انتهت بالفصل الصريح بين الجانبين، ونحن جزء من العالم، ولا نوجد خارج التاريخ.
-    الرابع: أن التغيير السياسي – الاجتماعي الديمقراطي يجب أن يتم ضمن أفق وطني وعن طريق أدواته الذاتية الوطنية، بما يضمن أصالة التغيير والإصلاح وصورته الوطنية واستقلالية القرار الوطني. كما تبقى ملاحظة لا تقل أهمية عما تقدم، وهي أن الديمقراطية تعني في إحدى اشتراطاتها تطبيق القانون والالتزام به والاحتكام إليه. هكذا يقول لنا التاريخ القريب والبعيد، وهذا ما تقوله لنا الديمقراطيات العريقة، أما أن يصبح تجاوز القانون أو تجاهله أو التحايل عليه، أو التحريض ضده نهجاً يتبناه السياسي والكاتب والبرلماني والحقوقي والموظف، فتلك مصيبة تجعل من شعار القانون مجرد شعار من دون مضمون، أو مجرد مضمون محاصر بين قوسين.
همس
ليس بالقانون فقط تدار الدول، بل وبالسياسة أيضاً، وبروح التسوية والوفاق الوطنيين كذلك. ولهذا، لا بد من أن نقلق، حين تُفقد روح التسوية، وعندما يتسابق الجميع من أجل تحقيق مكاسب ذاتية سريعة وجزئية وهامشية على حساب المصلحة الوطنية الكبرى. حيث يعلمنا التاريخ وتجارب الأمم أن مصلحة الجميع تكمن في أن يشكلوا مجتمعاً سياسياً متناغماً ومتوافقاً متكاملاً على اختلافه، لأنه لا حلول نهائية مثالية ترضي الجميع، بل يكفي التوافق للوصول إلى الوسط السعيد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها