النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

نيوزيلندا.. مسيرة الحبّ والسلام

رابط مختصر
العدد 10951 الأربعاء 3 أبريل 2019 الموافق 25 رجب 1440

كآلاف المتابعين، والمهتمين بالتقارب بين أتباع الأديان والمذاهب لم أستطع استيعاب ما حدث في نيوزيلندا يوم الجمعة 15مارس 2019، أو بالأحرى لم يقبل عقلي الباطن أن يحدث مثل هذا في بلد عرفناه متسامحًا مسالمًا داعمًا للتعايش الآمن بين مختلف الديانات، حاضنا للأقليات، محترمًا لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية. وكنت مضطرًا للقراءة والبحث المعمق فيما يسمى باليمين المتطرف في أوروبا بحثا عن دوافع عميقة وراء هذه العملية الإرهابية.
ودون الخوض في الأسباب، وبغض النظر عن الدوافع يجدر القول بأن ما حدث من إرهاب أعمى في مسجدين بمدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية وأودى بحياة 50 شهيدًا بإذن ربهم وعشرات الجرحى، شكل صدمة تكاد ترتقي من حيث تأثيرها في العالم إلى أحداث 11 سبتمبر 2001، إذ يمكن الحديث اليوم عن العالم ما قبل وما بعد 15 مارس 2019، كما صار الحديث في مطلع القرن الواحد والعشرين عن العالم ما قبل وما بعد 11 سبتمبر 2011.
صحيح أن زعماء العالم لم يتفقوا كليا على اعتبارها عملا إرهابيا، وصحيح أن هذه الجريمة النكراء لم تستوجب تنظيم مسيرة ضخمة من الرؤساء لإدانتها كما حدث مع تشارلي إيبدو سنة 2015، لكن الأكيد أن ردود الفعل في نيوزيلاندا، تحديدا، ستظل راسخة في الأذهان. ولن أخوض هنا في التعامل الإنساني المثالي لرئيسة الوزراء «جاسيندا أرديرن» مع المأساة، تلك التي لبست الحجاب احتراما للمسلمين ونطقت العربية وزارت عائلات ضحايا المجزرة ورفعت الآذان في البرلمان، واعتذرت لذنب لم تقترفه، فما فعلته فاق الخيال، حتى أن العديد من الملاحظين اقترحوا منحها جائزة نوبل للسلام، لا لن أتكلم عنها، وإنما سأكتفي بردود الفعل الشعبية أوردها هنا غير مرتبة: لا زمنيا ولا من حيث الأهمية والأثر، ولكن استعرضها بحسب تواردها على خاطري فكل هذه المشاهد التي أعقبت العملية الإرهابية قد أثرت عميقا في نفوس المتابعين، واستوطن أهل نيوزيلندا قلوبنا بما أتوه من أفعال راقية تؤكد أن ما صدر عن المجرم الإرهابي لا يعبر البتة عن هوية هذا الشعب الصديق المتسامح مع نفسه ومع الآخرين.
لاشك أن خروج نحو 3 آلاف شخص كبارًا وصغارًا في ساعة مبكرة من صباح السبت 23 مارس 2019، في «مسيرة من أجل الحب والسلام» عبر مدينة كرايستشرش النيوزيلندية، تكريما لأولئك الذين ذهبوا ضحية الإرهاب في المدينة، وأغلبهم مهاجرون أو لاجئون من دول مسلمة مختلفة... يمثل واحدًا من أجمل ردود الفعل التي تقبلها العالم بأسره قبولا حسنا. وقد سار المشاركون في صمت في الغالب، أو رددوا بصوت خفيض ترنيمة للسلام، وحمل المشاركون في المسيرة لافتات كتبت عليها عبارات مثل «أراد تقسيمنا لكنه جعلنا أقوى» و«أهلا بالمسلمين ولا للعنصريين».
كما أن إعادة فتح المسجدين، اللذين شهدا هذه الجريمة النكراء، بقدر لافت من السرعة مع توفير الحماية والأمن للمصلين من جموع المواطنين من غير المسلمين، فضلا عن رجال الأمن، شكل نقطة ضوء باهرة، وكذا تجمع الناس الحاشد عند ارتفاع صوت الآذان معلنا عن عودة استقبال المسجد لمرتاديه من المسلمين، يصاحبه صمت وخشوع بين حشود الناس التي حضرت إعادة فتح المسجدين. أما باقات الزهور التي تكدست على جنبات المسجدين فتلك لعمري لوحة إنسانية تحمل من الحب ما تحمل، وتعكس من الرقي الأخلاقي والحس الإنساني ما خفف من جلل المصاب.
 وتمثل هذه المشاهد، وغيرها كثير، دعمًا للمهاجرين وتعطيهم جرعة من الأمل والتفاؤل ليحظى المهاجرون واللاجئون بقدر من المساواة مع المواطنين ولا سيما في حرية المعتقد والتعبد. ولا يزال يستحق هؤلاء المفجوعون في ذويهم وقفة تضامن من المنظمات الدولية، كما لا تزال الكثير من الأقليات المسلمة وغير المسلمة في شتى بقاع العالم في حاجة إلى توفير قدر أعلى من الأمان والحرية التعبدية، إذ لا شيء يمنع من تكرار هذه الفاجعة الأليمة، سواء بين الجاليات المسلمة أو الجاليات والأقليات المسيحية في أي مكان من العالم، ولا سيما الدول التي تبيح امتلاك الأسلحة النارية للأفراد.
 صحيح أن الدرس النيوزلندي سيظل راسخًا في ضمير الإنسانية يحفر عميقا في ذاكرتنا، لكن الخطير في مشهد كالذي نعيش، وواقعة كالتي حصلت، هو هذه العودة القوية لأشباح الماضي سواء من المسيحيين المتطرفين في الغرب أو المسلمين المتطرفين في الشرق أو اليهود المتطرفين هنا وهناك، وكلهم يسيجون معاركهم برداء ميثولوجي يمكن أن يدمر العالم، حيث يؤمن هؤلاء وأولئك بحروب الإبادة المقدسة وأساطير نهاية العالم بشكل دموي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها