النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

المسؤولية.. وثقافة الاستقالة..!

رابط مختصر
العدد 10950 الثلاثاء 2 أبريل 2019 الموافق 24 رجب 1440

في كل البلدان التي تحترم المسؤولية، وأمانة المنصب، وتعي جيداً أن المسؤول في أي موقع كان يستمد شرعيته من قدرته على الإنجاز وتحريك عجلة الإدارة في الاتجاه الصحيح، فيها من البديهي والطبيعي أن يحاسب، ويساءل، ويقال، او يستقيل المسؤول إن عجز او فسد او أفسد او فشل او قصَّر في أداء واجباته والمسؤوليات المنوطة به..
الإنجاز هناك لا يتأتى بالتصريحات والوعود والخطط والاستراتيجيات الهلامية التي لا تجدي ولا تخضع لأي قياس ولا يُلتزم بأي شيء منها، بل يأتي بجدية وجودة الأداء والشفافية ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب إدراكاً بفداحة ثمن تجاهل معايير الجدارة والكفاءة، ولشيوع قيم الوظيفة العامة التي ترفض الإتيان بغير الأكفاء لمناصب عليا وهامة، وهي ذاتها القيم التي لا تعترف بمفاهيم المحسوبية، او هذا ولدنا وذاك من جماعتنا، ولا حتى بمفاهيم الأقدمية والسن والسبق في التخرج او التعيين كأساس للترقية والرئاسة، ولا تعرف المفاضلة بين أهل الثقة وأهل الخبرة، بل تعرف وتبحث دوماً عن أصحاب القدرة والكفاءة، وهي القيم ذاتها التي ترفض إضاعة الوقت والجهد والمال في محاولات تغيير عقول لا تتغير..!!
تلك البلدان أيضاً لا تُكهن فيها الكفاءات من أجل عيون أهل المحسوبية وتعي مدى ارتباط سوء الادارة بالفساد والإفساد وتدهور الخدمات، وأوجدت آليات وأجهزة فاعلة تراقب وتساءل وتحاسب، لا تتلكأ عن القيام بواجبها تجاه أي قصور او فشل او إهمال او فساد، والمسؤولون هناك يحاسبون حساباً عسيراً على أي شكل من أشكال استغلال النفوذ، وعلى أي مظاهر ثراء غير عادي، وعلينا أن نلاحظ الى أي مدى هي سائدة ثقافة الاستقالة، هي عندهم هناك من الأمور الحضارية والديمقراطية وإحدى ثمار احترام المسؤولية واحترام النفس والآخرين، وطالما هناك مبررات ومسوغات تستوجب الاستقالة التي تدور في محيط الإخفاق او الفشل او الفساد او القصور او العجز عن إنجاز ما يفترض إنجازه فلا بد أن يستقيل من يفترض أن يستقيل، والأمثلة شاخصة أمام الأعين في أكثر من بلد عربي..!
هذا يحدث في تلك البلدان التي تفرض المسؤولية احترامها والالتزام بها وتحسن الاعتراف بالخطأ بقدر ما تحسن الإصلاح، بلدان لا تنهمك بالشعارات او بالترداد الممل لكلام سطحي بدون مضمون ولا يأتي بأي نتيجة، في بلداننا يحدث العكس تماماً، قيمة المسؤولية غائبة عن الوعي العام، ليس فقط لا اعتبار لها في مجمل القيم السائدة في المجتمع، بل إن فكرة الاستقالة لا ترد حتى في ذلك الإطار الذي يستوجب الاستقالة الفورية كإقرار بتحمل المسؤولية المفترضة، وقد يعد من يفكر في التنحى والاستقالة بأنه غير طبيعي او مجنون، وربما لهذا السبب او ذاك لن نجد مسؤولاً يجازف ويقدم استقالة طوعية من منصبه، مسألة غائبة او مغيبة وخارجة عن نطاق التفكير، عدا حالات نادرة، نادرة جداً يستطيع المرء استحضارها لندرتها..!
في البلدان التي تعرف وتتعايش مع ثقافة الاستقالة وتحترم معنى المسؤولية تأتينا وفي هذا السياق الكثير من الأمثلة النموذجية عن وقائع تصيبنا بالدهشة قد تعد فى بلداننا من باب صدّق او لا تصدق، مثل استقالة وزير بريطاني لأنه تأخر دقائق عن اجتماع لمجلس اللوردات مما حال دون إجابته على سؤال كان من المقرر أن يكون هو من يتحمل مسؤولية الرد عليه، واعتبر ذلك بأنه سلوك غير لائق، قائلاً: «إننى أشعر بالعار وهذه استقالتي الفورية»..!
وجدنا أيضاً وزيرة سويدية وهي تقدم استقالتها بعد إدانتها بملء خزان سيارتها الخاصة بالبنزين على حساب الدولة، مستخدمة بطاقة صرف ممنوح لها من الحكومة لقيمة لا تتجاوز 60 دولاراً، ورغم ان الوزيرة أكدت أنها نسيت بطاقتها الخاصة في البيت واضطرت لاستعمال البطاقة الحكومية وأثبتت أنها أعادت المبلغ في اليوم التالي، إلا أن القانون هناك قانون يحترمه الكبير قبل الصغير، واعتبر تصرف الوزيرة استغلالاً للمال العام..!! وفي السويد أيضاً استقالت وزيرة التعليم - قيل بأنها أصغر وزيرة في تاريخ السويد - لقيادتها السيارة وهي تحت تأثير الكحول، وأعلنت الوزيرة بأنها خيبت آمال الكثيرين، وغاضبة من نفسها، وأنها من باب المسؤولية تستقيل..!
ولا يفوتنا ونحن نقلب الأمثلة أن نذِّكر أيضا بأن فرنسا حاكمت في يوم من الأيام رئيس وزرائها لأنه طلب من بلدية باريس دهان شقته، واعتبر ذلك استغلالاً للنفوذ وإخلالاً بمقتضيات وأمانة المسؤولية وتعدياً على المال العام، والأمر يتجاوز الاستقالة الى الانتحار، وجدنا ذلك في اليابان وكوريا، ولعل آخر المنتحرين برلماني كوري ألقى بنفسه من الطابق 17 من مبنى سكني تاركاً رسالة يعترف فيها بتلقيه رشوة قيمتها 44 ألف دولار، وأنه ينتحر استشعاراً بخيانته لمسؤوليته..!! ووجدنا في فرنسا مسؤولاً يغادر منصبه بعد أن كشفت لجنة مراجعة حكومية أن الوزارة منحته معاملة تفضيلية لابنته بتعينها في وظيفة..! وأخيراً وليس آخر، وجدنا قبل سنوات رئيس وزراء لاتفيا على خلفية انهيار سقف سوبر ماركت في العاصمة ريجا أسفر عن مقتل 50 شخصاً، الرجل قال «أعلن استقالتي من المنصب متحملاً المسؤولية السياسية عن الكارثة»..!!
ليس من الضروري أن نلتمس المزيد من الأمثلة والأدلة والإثباتات على كيف هو حال المسؤولية عندنا وعندهم، ولكن يمكن أن نخلص الى أصل المشكلة وهو غياب الحس بالمسؤولية، او انعدام ثقافة مجتمعية لا نعرفها، ثقافة الاستقالة، والمسؤولون في بلداننا حيالها، إذن من طين وأخرى من عجين..! والاستقالة عندهم انتحار لا داعي ولا معنى له، وفوق ذلك عندنا الانتحار حرام..!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها