النسخة الورقية
العدد 11180 الاثنين 18 نوفمبر 2019 الموافق 21 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

لماذا مجلــــس التعــــاون؟ (2)

رابط مختصر
العدد 10950 الثلاثاء 2 أبريل 2019 الموافق 24 رجب 1440

تناولتُ في مقال الأسبوع الماضي الظروف السياسية التي كان يعيشها الوطن العربي والأوضاع التي عاشتها منطقة الخليج العربي منذ منتصف القرن الماضي، والتغيير الجذري في قوى مركز النفوذ السياسي والاقتصادي والمالي العربي بعد نكسة عام (1967م)، والحاجة الأمنية والسياسية والاستراتيجية المُلحّة التي دعت دول الخليج لتأسيس مجلس التعاون الذي يُعتبر التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة على امتداد الوطن العربي، ورغم نجاحه عبر مسيرته التي قاربت (38) عامًا، إلا أنه يواجه في الفترة الحالية أكبر تحدٍ يهدد كيانه وينذر بانهياره؛ والسبب في ذلك (الأزمة القطرية)، ابتداءً من جذورها وليس انتهاءً بتداعياتها الخطيرة.
إن استمرار منظومة مجلس التعاون يتطلَّب معالجة العديد من القضايا والمعوقات الجذرية التي تخيّم عليه وتهدد مستقبله، ومواجهة الخلافات بين دول المجلس بكل جدية وحزم ووضوح، خصوصاً بعد أن أصبحت (الهوية الوطنية) لدى المواطن الخليجي أكثر قوة وتأثيراً من (الهوية الخليجية الشاملة) التي كانت سائدة إبّان تأسيس المجلس، وتتلخَّص أهم تلك القضايا والمعوقات في:
أولاً: الأزمة القطرية: وهي من أخطر التهديدات التي تعصف بمجلس التعاون منذ تأسيسه كمنظومة سياسية واقتصادية لها دور مهم في تعزيز مكانة المجلس كمجموعة في المحافل الدولية، وساعدَ على حماية دول الخليج من الأطماع والتهديدات الخارجية وحافظ على سيادتها واستقلالها، إلا أنَّ كل الجهود التي بُذلت لحل الأزمة فشلت، رغم توقيع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على اتفاق الرياض (عام 2013م) والذي أعقبه الاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية (عام 2014م) واللذان يؤكدان على التزام دولة قطر بعدم التدخل في شؤون دول الخليج الداخلية، والتوقف عن دعم الحركات الإرهابية فيها، وعدم التآمر مع القوى الخارجية - كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا - لدعم المحاولات الانقلابية على الأنظمة العائلية الحاكمة تحت شعارات حماية حقوق الإنسان البرَّاقة وعدم السعي لتثوير الشارع بما يسمى بالربيع العربي، فهدف قطر الأساس هو إحداث التغيير الذي يحقق أحلامها بالتفرّد كقوة كبرى تسعى للتحكّم والسيطرة على العالم العربي بدعم من جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن عدم التزامها بما تمَّ الاتفاق عليه في اتفاقيّ الرياض أدى إلى إعلان كل السعودية والإمارات والبحرين - إضافة إلى مصر - قرار المقاطعة الخليجية في (5 يونيو 2017م)، وما ترتَّب عليها تداعيات كارثية على حاضر ومستقبل منظومة مجلس التعاون الذي تعثَّر العمل فيه إلى أجلٍ مجهول.
ثانياً: العلاقات الخليجية الإيرانية: إيران جزء من الجغرافيا الطبيعية للخليج العربي، والحلم الفارسي التاريخي بالسيطرة على المنطقة انتقل عبر حقب الإمبراطوريات والممالك الفارسية والدولة الإسلامية الإيرانية حتى الوقت الحاضر، فكان تحقيق ذلك الحلم هو المحرّك الاستراتيجي للسياسة الإيرانية تجاه دول الخليج، باعتبار أن (الخليج العربي) بحيرة خالصة للنفوذ الإيراني، وأن الإمارات المتناثرة على شواطئ الخليج الجنوبية ما هي إلا كيانات تابعة للحكم الفارسي، لذلك عانى الخليج العربي ودول المجلس منذ القدم من التهديدات الإيرانية، خاصة بعد نجاح الثورة الخمينية عام (1979م)، رغم المساعي الخليجية نحو إقامة علاقات صداقة طبيعية مع إيران قائمة على مبادئ حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، غير أن نجاح إيران في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية ببرنامجها النووي وتوقيعها على الاتفاق المثير للجدل في (يوليو 2015م) زاد العلاقات الخليجية الإيرانية تعقيداً، لما فتحه لها من أبواب مغلقة لأكثر من ثلاثين عاماً لتجد نفسها محط أنظار الدول الأوروبية التي تسابقت لكسب ودها والفوز بالمشاريع الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.
ثالثاً: السياسة الخليجية الخارجية غير الموحَّدة: ذلك نتيجة الاختلافات المستمرة بين دول المجلس -منذ تأسيسه- حول العلاقات مع الدول والمجموعات الدولية وخاصة إيران، فحالَ ذلك الأمر دون وجود سياسة خليجية موحَّدة تؤكِّد قوة المجلس وتأثيره على القرار الإقليمي أو الدولي، وهذا ما أدى -على سبيل المثال- إلى عدم الأخذ برأي دول المجلس في الخطوات التفصيلية للمفاوضات المتعلقة بالملف النووي الإيراني والتي تمَّت دون الاكتراث لمخاطر الاندفاع غير المدروس تجاه إيران وانعكاساته السلبية على العلاقات الأمريكية مع دول الخليج التي تعتبر حليفها التاريخي، فلم يتمّ إبلاغ دول الخليج بنتائج تلك المفاوضات إلا خلال عدد من الاجتماعات الوزارية الخليجية مع الجانب الأمريكي التي تحوَّلت فيما بعد إلى اجتماعات على مستوى كبار المسؤولين عندما أدرك الوزراء الخليجيون أنهم لا يحصلون على معلومات أو إجابات واضحة على تساؤلاتهم، حتى جاءت (قمة كامب ديفيد) التي جمعت الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بقادة دول المجلس في (مايو 2015م) فكانت قمة القبول بالأمر الواقع الذي تبعه بشهرين التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني.
رابعاً: الخلافات الحدودية: والتي بات عدم التوصّل إلى حلول ناجعة لها يشكل حالة مبطنة من عدم الثقة بين دول المجلس، انعكس تأثيرها على العلاقات الثنائية والجماعية، وألقت بظلالها على كافة القضايا الحسَّاسة المطروحة للنقاش على جميع المستويات، فالحل الجذري لتلك الخلافات يتطلَّب تنازلات سيادية لحماية كيانات دول المجلس واستقلالها من التهديدات والمخاطر المحدقة بها من كل الجهات، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي الذي تخلَّت دوله عن سيادتها لتحقيق مصلحة أشمل وهي تعزيز مكانة الاتحاد وتفعيل قوته وتأثيره في المجالات السياسية والأمنية والدفاعية والاقتصادية على المستوى الأوروبي والدولي.
خامساً: معوقات المواطنة الخليجية: بلا شك، فإن تحقيق المواطنة الخليجية الحقيقية وتعزيز الترابط والتكامل والتنسيق بين دول المجلس في المجالات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، وتسريع وتيرة العمل المشترك، ستحقّق الأهداف التي نصَّ عليها النظام الأساسي للمجلس، وستدفع نحو تنفيذ مقترح المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود الذي أعلنه في قمة الرياض في (ديسمبر 2011م) بـ(الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد) والذي لم يلقَ تجاوباً إلا من جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة الذي رحَّب به في الجلسة الختامية للقمة.
وعند الوقوف على موضوع (المواطنة الاقتصادية في مجلس التعاون) نجد أنها تقوم على أسس تحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني جميع دول المجلس في كافة المجالات الاقتصادية، إلا أنَّ مفهوم (المواطنة) مرَّ بعدة تطورات في تاريخ العمل الاقتصادي المشترك لمجلس التعاون، حيث نصَّت المادة (8) من (الاتفاقية الاقتصادية الموحَّدة) التي تمّ التوقيع عليها عام (1981م) على أربعة مجالات فقط يتعيَّن تحقيق المواطنة الاقتصادية والمساواة في المعاملة فيها وهي: (حرية الانتقال والعمل والإقامة، وحق التملّك والإرث والإيصاء، وحرية ممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية انتقال رؤوس الأموال)، وتمَّ خلال العقدين الأولين من قيام مجلس التعاون تطبيق المساواة في تلك المجالات من خلال المنهج التدريجي الذي تبنته الاتفاقية واقتضته ظروف تلك المرحلة الابتدائية من العمل المشترك، واتضحت بعد الممارسة العملية صعوبات في التطبيق أدّت إلى إحجام مواطني دول المجلس عن الاستفادة من قرارات المجلس الأعلى في هذا الشأن، فتمّ تطوير اتفاقية (1981م) بالتوقيع على اتفاقية جديدة عام (2002م) رغبةً من قيادات دول المجلس في نقل العمل المشترك من مرحلة التنسيق والتعاون إلى التكامل بما يتلاءم والظروف الحالية لدول المجلس والبناء على ما تحقّق في المرحلة الأولى من تنمية وتدعيم للروابط الاقتصادية فيما بين دول المجلس، وتقريب لسياساتها الاقتصادية والمالية والنقدية وتشريعاتها  التجارية والصناعية والأنظمة الجمركية المطبقة فيها، فتضمَّنت الاتفاقية الجديدة التطبيق المباشر لمبدأ المساواة الكاملة في المعاملة لجميع مواطني دول المجلس عن طريق ضمان مبدأ معاملة مواطني دول المجلس المقيمين في أي من دول الخليج معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية، وتمّ في (ديسمبر 2002م) استكمال متطلبات السوق الخليجية المشتركة الذي توقف عن التنفيذ لأسباب مختلفة رغم وجود لجنة وزارية لتنفيذ قرارات المجلس الاعلى.
ومن هنا يمكن القول بأنه رغم عمر المجلس الـ(38)، وما قطعه من مسافات مهمة نحو وضع الأسس الراسخة للمواطنة الخليجية الكاملة، وما وصل إليه من خطوات متقدمة نحو التكامل في المجالات الاقتصادية والتجارية بين دوله، إلا أنه بحاجة ماسّة إلى إزالة كل ما يمثِّل حجر عثرة أمام تحقيق هدفه الأساس وتطلعات مواطنيه وآمالهم في إقامة الاتحاد الخليجي، والذي لن يتأتَّى إلا بالتعاون لوقف التهديدات الخارجية واستيعاب الصدمات الاقتصادية والسياسية الإقليمية والعالمية، وهذا الأمر يتطلَّب تعزيز المكانة السياسية لمجلس التعاون على المستوى الإقليمي والدولي باعتماد الحد الأدنى من المواقف الخليجية الموحَّدة تجاه القضايا المصيرية التي تهدد وجود وكيان دول المجلس، ويضع مسارات ثابتة للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية، وتوجيهها في إطار استراتيجي مُتَّفق عليه لخدمة مصالح وأهداف مجلس التعاون، فالأوضاع الخطيرة التي يشهدها العالم تتطلَّب وقفة خليجية جادة وحاسمة لترتيب البيت الخليجي على أُسس جديدة وواضحة تتلاءم والظروف السائدة حالياً، فبقاء الوضع دون علاج لا يصبّ في مصلحة مستقبل الخليج إطلاقاً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها