النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

طي صفحة الشرعية الدولية

نحو استكمال رسم خارطة إسرائيل الكبرى

رابط مختصر
العدد 10949 الإثنين 1 أبريل 2019 الموافق 23 رجب 1440

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن «الوقت قد حان» لدعم السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان التي احتلتها «إسرائيل» في حرب 1967. مشيرًا إلى أنه (وبعد 52 عامًا من وضع اليد على هذه المرتفعات، حان الوقت لاعتراف الولايات المتحدة الأمريكية الكامل بسيادة (إسرائيل) على هضبة الجولان، لما لها من أهمية استراتيجية وأمنية حيوية لدولة إسرائيل وللاستقرار الإقليمي.
 كان يدرك تماما أن هذا الإعلان لا قيمة له من الناحية القانونية وحتى السياسية، ولكنه كان يريد وبطريقة فجة غير مسبوقة، أن يؤكد أن الإرادة السياسية الأمريكية ستحل محل الشرعية الدولية المستقرة، ليس بشأن الجولان السوري المحتل منذ الخامس من يونيو 1967، والذي ترفض الانسحاب منه رغم قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، فقط، بل بشأن جميع الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة الأخرى، وقد شجعه على ذلك الوضع العرض المفكك الذي تنعدم فيه الإرادة الجماعية.
وبهذا الإعلان -التوقيع الاستعراضي، يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد خرق مبدأين أساسيين من المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، يقوم الأول على «عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة»، والثاني على «عدم جواز تغيير الحدود بين الدول» إلا بموجب اتفاق بين الدول نفسها. هذا إضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 58/‏292 المؤرخ في 6 مايو 2004 الذي أكدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة أن وضع الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بما فيها الجولان والأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس الشرقية، هو وضع احتلال عسكري، وأن إسرائيل لا تملك إلا واجبات والتزامات السلطة القائمة بالاحتلال.
ولعل هذه الانعطافة في سلوك رأس الإدارة الامريكية (مع قرارات أخرى من ذات الفئة، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل) باتت تدعو إلى القلق لجهة غياب المنطق في السياسة وغياب التناسق في السياسة، وحتى غياب الأخلاق في السياسة، وهنالك مؤشرات مثيرة للقلق بهذا الخصوص، منها:
- أن أمريكا الدولة الأقوى في العالم والتي يفترض بها أن تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، تبدو متجهة - في ظل الإدارة الحالية خاصة-نحو سياسة منافية للقانون الدولي، خارجة عن منطق العدالة والشرعية، مما يجعلها عاجزة عن لعب دور قيادي في حل الصراعات.
- أن الولايات المتحدة الأمريكية تبدو عاجزة عن سد الفراغ السياسي في قيادة العالم، بالاعتماد المتزايد على القوة العسكرية في السياسة الخارجية، والميل المتزايد إلى اتخاذ مواقف محيرة أو استفزازية، وعدم التوفق إلى وضع أسس مستقرة لنظام دولي محكوم برؤية جديدة. فرغم تفردها بالقوة – إلى حد الآن-مازالت، تلوك في مرارة لا تخلو من الادعاء، هبوط هيمنتها وتأثيرها في العالم، رغم قوتها العسكرية، وذلك بسبب عدم امتلاك رؤية أبعد من جلب المصالح المادية المباشرة بأي ثمن أو الانحياز الأعمى إلى العدوان الاسرائيلي.
- أن استعراض منطق عنجهي لفرض الوقائع الجديدة على الأرض، يكشف عن نوع من الافلاس السياسي والفشل في اقناع العالم بهذه القرارات والمواقف المنافية لأبسط قواعد العلاقة بين دول العالم، حيث تبدو هذه المواقف الاستعراضية في واد والعالم في واد آخر، خاصة في هذا الأمر الذي يتعلق بقضايا مصيرية، قامت بسببها حروب وصراعات لم تنته إلى اليوم، ولن تنته غدا، إلا من خلال حلول عادلة، ووفقا لقرارات الشرعية الدولية.
- أن أمريكا - بالرغم من كونها الدولة الأقوى والأكثر نفوذًا - فإنها لم تعد قادرة على قيادة العالم، وهنالك فرق كبير بين الهيمنة والقيادة. فقيادة العالم تستدعي أن يكون القائد عادلا، وقادرا على الدفع نحو حل المشكلات الدولية ببناء التوافقات دون حيف او معايير مزدوجة. ولكن من الواضح أن الإدارة الأمريكية تواجه عجزا تاما في قيادة العالم، لأن القيادة الحقيقة لا تحلها المواجهات العسكرية، ولا الإعلانات الاستعراضية، بل تقودها وتؤطرها المواقف القوية القائمة على الشرعية الدولية والعدل والانصاف. بل وتقوم على أساس سياسة خارجية مسؤولة تمنع اندلاع الأزمات، وتعمل على احتوائها قبل خروجها عن السيطرة، وهذا يتطلب مزيجا من الدبلوماسية العقلانية وقوة عسكرية رادعة، ومساعدات مالية واقتصادية كبيرة في المناطق التي تحتاج إلى ذلك. ولكن الذي يحدث حاليا هو عكس ذلك تماما، فالسياسة الأمريكية مرتبكة، وسط ثقة عالمية منهارة بالقيادة الأمريكية، وفاقدة للقدرة على نزع فتيل الصراعات، وحشد العالم للعمل الجماعي، مع تخفيضات في المساعدات الخارجية سواء للمنظمات الدولية الجماعية التي كانت تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية أو بالنسبة للدول التي تحتاج إلى الدعم لأسباب مختلفة.
- أن محاولة فرض العملقة القائمة على منطق القوة وليس على قوة المنطق من خلال جر العالم الى منازعات لإخفاء المشكلات الحقيقية، لن يكون قادرًا على ضمان عملقة أمريكا السياسية؛ لأن العالم لن يقبل بذلك، وقد ظهرت المواقف الدولية المختلفة سواء بالنسبة لموضوع القدس أو بالنسبة لموضوع الجولان، كم هي معزولة السياسة الأمريكية، بل تكاد تبدو وحيدة، ليس معها سوى بضعة دول غير ذات وزن في الغالب الأعم.


همس
من سخرية القدر أننا كعرب، وفي الوقت الذي لم نحسم فيه بعد، علاقة الإبداع بالدولة وعلاقة الإبداع بالدين وعلاقة الإبداع بالتجارة وعلاقة الإبداع بالإعلام، وعلاقة الفكر بالاقتصاد، وعلاقة الجميع بالتنمية، ما نزال نتحدث بكل فخر واعتزاز عجيبين، وبكل لغة تدعو إلى الشفقة، بأننا سائرون على درب التقدم والتنمية الشاملة، وإننا لاحقون لا محالة، (وبشكل قدري ومن دون أي جهد أو إبداع) بركب الحضارة الإنسانية المعاصرة، وما زلنا نحاول دخول عصر الأقمار الصناعية والثورة المعلوماتية بفكر المحراث الخشبي، معتمدين في حياتنا على الأمطار الموسمية والمعجزات المنتظرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها