النسخة الورقية
العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

الكتابة تحرك التاريخ

رابط مختصر
العدد 10947 السبت 30 مارس 2019 الموافق 21 رجب 1440

 شرارة القراءة الأولى بالنسبة لي كانت في بداية الستينات. وفي ذلك الوقت، كانت القراءة عادة راسخة ومنتشرة في البحرين مع إتساع رقعة التعليم. ومثل غيري استهوتني القراءات السياسية والروايات التي تصب في الاتجاه نفسه، وكانت نمطا عاما لظروف حرجة عاشها ذاك الجيل. تلك كانت فترة الشباب والأحلام المبكرة والنظر الى المسقبل بتفاؤل. ويكفي أن نقول إننا جيل ورعيل عبدالناصر، يكفي هذا سببا لانشغالنا بالسياسة وبالهم الوطني والقومي.

 كانت روايات حنامينه واسعة الانتشار والتداول آنذاك، وهناك الأدب السوفيتي المترجم الذي كان منتشرًا أيضا لسبب أن الأدب الإشتراكي كان يستهوينا محتواه الاجتماعي، كتب مثل الدون الهادئ والأم والفولاذ سقيناه. هذه القراءات جاءت لأسباب لم أخترها، واختارتها الظروف المحيطة. في هذه الفترة مع التوجه القومي العارم قرأنا الكتب القومية لساطع الحصري وقسطنطين زريق ومطاع صفدي وغيرهم من الكتاب المعروفين في ذلك الوقت، وكانت هذه الكتب متوفرة ورائجة وشكلت وعي جيلنا التائق الى تغيير الواقع العربي ليأخذ مسارًا جديدًا متقدمًا. 

بدوري انغمست في مثل هذه القراءات بشغف. كانت كل هذه الظروف تشكل ولعنا /‏ ولعي بالأفكار، وسأعرف في مرحلة لاحقة أن الأفكار المكتوبة تحرك العالم وتعيد تشكيله، بعد أن تهدم ما يعيق تقدمه. لهذا السبب جاءت الثورات لتصحح واقعًا تنتفي فيه العدالة والمساواة. كانت أفكار التغيير في الكتب قبل أن تصبح حقيقة. في ذلك الوقت لم تكن المسائل الفكرية غائبة عن ذهني لإرتباط الفكر بالسياسة الى حد بعيد، وكنت أرغب قبل الذهاب الى الأدب في معرفة معمقة لفهم ما وراء الظواهر والأعراض المرئية، التي هي ليست أكثر من صدى خارجي مكشوف لحالة داخلية مستترة. عرفت آنذاك أن الفكر يشكل عمق السياسة، وما السياسة إلا امتداد لأفكار وضعها المفكرون والمصلحون والفلاسفة في الكتب عبر أزمنة مختلفة تبدأ ما قبل الميلاد وتنتهي بعصرنا. 

يمكننا تلمس صحة هذا الرأي إذا استرجعنا تاريخ المجتمعات والبلدان. قبل الثورة الفرنسية (على سبيل المثال) التي جاءت في نهاية القرن الثامن عشر (1789)، كانت أفكار هذه الثورة نائمة في مؤلفات رينيه ديكارت وعمانويل كانت وجون لوك وفولتير وروسو وديدرو، وكل هذه الأفكار كانت تبحث عن العلل المسببة للخلل السياسي والإجتماعي والصيغة المناسبة للعدالة. بلا شك فهؤلاء المفكرون الإنسانيون وأمثالهم خدموا البشرية جمعاء، وقدموا حلولا ناجعة ساعدت كثيرًا في تيسير الوصول الى الأهداف الكبيرة الجوهرية، كما تصوروها ورسموها في مؤلفاتهم. ولكي يفهم هؤلاء المفكرون الظواهرالاجتماعية والسياسية والطبقية، كرّسوا حياتهم للقراءة والدرس والبحث عن نموذج إجتماعي يحقق التوازن والسعادة للبشر. كانت أفكار الثورة الفرنسية هي نفسها أفكار التنويريين في القرن الثامن عشر في فرنسا والغرب. ولوعدنا قليلاً الى عصر النهضة، سنجد حركة الإنسانيين الذين كتبوا عن ضرورة البحث عن السعادة في الحياة، بعد أن كانت الثقافة اللاهوتيه المسيحية تقول أن الدنيا دار شقاء وعذاب، وأن السعادة لا تكون في الدنيا بل في الآخرة. هكذا تسافر الأفكار في الكتب من تاريخ الى آخر لتصل بالتتابع الى أجيال جديدة ثم تدخل حيز التطبيق والممارسة عبر الثورات والإصلاح السياسي، بعد أن تخلخل الأفكار القديمة وتزيحها. 

ونعود الى صناعة التاريخ العربي المعاصر، وسنجد أننا في الحقبة القومية (في الخمسينات والستينات من القرن الماضي) كانت أفكار ميشيل عفلق وساطع الحصري تشكل نهج الأحزاب السياسية، التي تمثلت في حركة القوميين العرب والبعث العربي الاشتراكي. في الحقبة اليسارية التي تلتها انتشرت منظومة الفكر الاشتراكي بتفاصيله السياسية والاجتماعية وحتى الأدبية، حيث ساد في الأدب على سبيل المثال تيار الواقعية الاشتراكية. لم يكن الفكر السياسي اليساري، قبل أن يصبح واقعًا فعالاً له امتدادات واسعة على أرض الواقع إلا أفكارًا في كتب المفكر الألماني كارل ماركس وإنجلز وآخرين. 

كانت رحلتي/‏ ورحلة جيلي المعرفية تلك تتنقل عبر تلك المحطات المتنوعة والمتعددة، إلا أنني إنشغلت منذ السبعينات بالأدب الذي أصبح بالنسبة لي تخصصًا وهواية. اكتشفت في هذه المرحلة أن الأدب هوعمق آخر للأفكار وللسياسة، وإن كانت له خصوصياته. في هذه الفترة ذهبت الى نجيب محفوظ، حنا مينه، يوسف إدريس، بلزاك، تولستوي، زولا، فلوبير، بودلير، رامبو، شكسبير، إرنست همنغواي، السياب، أدونيس، صلاح عبدالصبور، المتنبي، المعري، دانتي، وغيرهم. كان عالمًا شاسعًا تقلبت في أنوائه وهنائه ومتعته. 

خلال هذه الرحلة التي استغرقت نصف قرن ونيف انتهيت الى قناعات كانت تتلون بلون المرحلة وبوصلة القراءة، كما كنت أتابع حركة الأفكار في الواقع، لأتحاشى الاستمرار على قناعات أثبتت التجربة خطأها. إنه حب الاستطلاع لمعرفة الحقيقة، ولاكتشاف الكيفية التي يتشكل فيها التاريخ. كانت الكتب هي الأصل والبذور التي تصيغ حركة التاريخ. وقيل عن (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو: (الكتاب الذي أشعل ثورة)، إذ صاغ روسو في هذا الكتاب المبادئ الإنسانية العادلة: الحرية، الإخوة، المساواة والعدالة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها