النسخة الورقية
العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

الاستشراق

الجزيرة العربية في عيون الرحالة الغربيين (7 - 12)

رابط مختصر
العدد 10946 الجمعة 29 مارس 2019 الموافق 22 رجب 1440

یختصر بیتر برنت انطباعه عن جزیرة العرب بالقول: «إنها تلك المنطقة التي ظلت الشمس طوال عشرین ألف عام تحولها، دون هوادة، إلى رمل وصخر، لكن من شبه الجزیرة هذه أیضًا طلعت منها أكثر الهجرات خصوبة في تاریخ العالم، ومنها طلعت تلك الدعوة المشرقة الملیئة بالإیمان، لدرجة أن التجاوب الذي أثارته غيّر التاریخ في ثلاث قارات، ومع ذلك فإنه حتى الآن لا یزال أهلها یعیشون حیاة البداوة»، تلك البداوة، كما یقول (كارستن نایبور)، أول الرحالة وأشهرهم «تساوي الحرية والفقر لدى العربي الجوال أمر طوعي تمامًا، إنه یفضل الحریة على الثروة، ّوالحياة البدوية والبساطة على حیاة التقیید والضنك مهما كانت عوائدها».. هذه الحیاة المطلقة، بین الرمل والفضاء، بین القمر والشمس، حركت مخیلات الشعراء الغربیین بلا حساب، والروس أیضًا، من (شیللر، وشیلي وبایرون)، إلى (لامارتین وبوشكین)، لكن فیما ظل الشعراء یحلقون في مخیلاتهم على إیقاع القوافي الجمیلة، انتقى الرحالة والأكادیمیون اللحاق بالقوافل الصعبة على أرض الصخر البركاني الحار والرمل الطیار متعدد الألوان والظلال مخیلات الشعراء أو من سبقوهم، كانوا ینتمون إلى عصر رومانسي واحد، وتلك الرومانسیة هامت بالعربي، دون غیره من الآسیویین الآخرین، أو بالأحرى بالبدوي الحر، الفقیر، الشجاع والجمیل، الذي وصفه السیر (ریتشارد بورتون) بأنه «خلیط نبیل حقا من العزم واللطف والكرم»، والبدوي لا یحارب من أجل بیته لأن لا بیت له، ولا یحارب من أجل وطنه لأن وطنه أینما كانـ وكان (تشارلز داوتي)، الذي لقب، بـ(لورانس العرب) أعظم الرحالة الذین عرفتهم الجزیرة، لكن الأكثریة الساحقة من الرحالة الأوروبیین، هي تلك التي تركت لنا، بین منتصف القرن الثامن عشر ومنتصف القرن العشرین، أدق وأجمل الآثار والتفاصيل عن الجزیرة والخلیج في تلك المرحلة التي غاب فیها أي عمل تسجیلي عربي، فالكونتیسة (مالمیغواتي) كتبت عام 1925: كم هي بسیطة حیاتهم، كم هي نظیفة معیشتهم هؤلاء الرجال، أعمالهم رفیعة وقویة مثل وجوههم، لكن قلوبهم كقلوب الأطفال، إنها حالة الذین جاؤوا من فنلندا اومن الدانمارك أو من بریطانیا أو من فرنسا أو من أولئك الرحالة من البرتغال أو من إسبانیا أو من روسیا أو من غیرها؟ كانوا رجالاً كثیرین وكانت انطباعاتهم، وأهدافهم مختلفة، وفي هذا الكتاب لا مكان لإصدار الأحكام على أحد، فأعمالهم، توقظ عند (كارستن نایبور)، ملحمة الرحلات.
عمان مهد الملاحة في العالم:
 لقد ورد اسم ماجان (عمان) في النصوص السومرية والأكادية نشر بعضها، منها نص للملك سومر وأكاد عن صناعة وبناء السفن في هذا المكان (عمان)، والواقع أن أهل الساحل الشرقي لجزيرة العرب عرفوا ببناء السفن منذ القديم، وقد ركبوا البحار وتاجروا، وتوسطوا في نقل التجارة من مختلف السواحل، ولا تزال صناعة بناء السفن الشراعية معروفة حتى اليوم.. تذكر المصادر أنّ الدّلائل تشير أنّ عمان والخليج العربي مهد الملاحة البحريّة في العالم، حيث بدأ الإنسان منذ آلاف السّنين قبل الميلاد يحاول اقتحام البحر وتطويعه لإرادته، وكان العمانيّون منذ هذه الفترة يسكنون المنطقة التي أطلق عليها السّومريون تسمية ماجان، وساهموا من هذا الموقع في دفع الملاحة البحريّة إلى أرقى درجات تطوّرها، وأقاموا علاقات منتظمة مع شعوب بعيدة لا يصلهم بها إلاّ البحر.
إن الخليج كان مهد الملاحة في العالم، وبسبب موقعه البحري أصبحت المنطقة أول صلة وصل تجاریة بین الشرق والغرب، وأول من بدأ في نقل البضائع القادمة من الغرب، وكان عرب سواحل الجزيرة العربية نقلوا البضائع من بابل ومصر والهند إلى أرجاء الجزیرة العربیة، وثمة إشارة إلى هذا الواقع في حفریات بابل ونینوى ومصر التي تعیدنا نحو 7 آلاف سنة إلى الوراء، وقد بدأ عرب الساحل حیاتهم صیادین صغار، ثم أخذوا یبنون السفن أكبر فأكبر إلى أن تجرؤوا على الإبحار بعیدًا عن الیابسة، ومع حلول القرن التاسع كانت مسقط قد بدأت تتاجر مع كانتون في الصین، وبلغ بحارتها موانئ سیام (بانكوك) وجاوا وسومطرة، وكانوا یحملون معهم إلى الخلیج البهارات والبخور والحریر، والعمانیون هم أول من حمل اللبان إلى مصر، أما البضائع التي كانوا یحملونها من الهند فكانوا ینقلونها عبر الخلیج ثم الفرات إلى بابل، حیث تنقلها القوافل من هناك إلى حوض المتوسط، أما القسم الآخر من التجارة البحریة فكان في ید الفینیقیین، الذین على الرغم من أنهم كانوا من أوائل الملاحین، إلا أن العرب قد سبقوهم بآلاف السنین، وقبل حوالي 2500 عام بدأت المنافسة بین البحر الأحمر والخلیج في نقل بضائع الشرق الأقصى إلى أوروبا، وكانت القبائل البحریة على الساحل العربي كثیرة، لكن أقواها وأشهرها بالتأكید كانت القواسم، الذین عرفهم الأوروبیون للمرة الأولى حین بدأت سفن البرتغالیین التجاریة تصل إلى مضیق هرمز خلال القرن السادس عشر، وما ان بدأت السفن الأوروبیة بالوصول حتى بدأت القبائل العربیة بمطاردتها في منطقة ملیئة بالمخاطر، والممر الرئیسي آنذاك في رأس الخیمة، حیث ذاع صیت القواسم للمرة الأولى في العام 1778 عندما هاجمت ستة من مراكبهم الصغیرة باخرة إنكلیزیة طوال ثلاثة أیام ثم أسرتها وأمرتها بالتوجه إلى رأس الخیمة، ثم كرر القواسم الهجوم على سفینتین إنكلیزیتین في العام التالي، وفي العام 1797 لم یكتفوا بالهجوم على البواخر البحریة الإنكلیزیة بل هاجموا هذه المرة البارجة المسماة (الأفعى) وهي راسیة في میناء بوشهر، كانت البارجة قد رست قرب مجموعة عن قائد البارجة ومندوب شركة شرق الهند (الحكومة البریطانیة) وقدم نفسه الیهما ثم طلب منهما بعض البارود وكان له ما طلب. وما ان وصلت كمیات البارود إلى أسطول القواسم حتى دكت في البنادق وفتحت النار على (الأفعى) التي كان بحارتها في الطابق السفلي یتناولون طعام الفطور، ودارت معركة طاحنة سقط خلالها القبطان الإنكلیزي كاروترز وقتل وجرح 32 بحارًا من أصل 65، لكن مراكب القواسم تركت السفینة للباقین. واستمرت المعارك بین القواسم والبحریة البریطانیة إلى سنوات طویلة لاحقة، إلى أن وقعت معاهدة سلام بین الفریقین في العام 1808 سمح بموجبها للقواسم بممارسة التجارة في بعض الموانئ الهندیة.
إن الأرض الممتدة من تدمر والبتراء حتى جدة، كان یعرفها الغربيون باسم الجزیرة أو بلاد العرب أو أرابیا فیلكس، أي بلاد العرب السعیدة، كما سماها الرومان، وكانت هناك الصحراء، وحكایات الثروات والتاريخ والحضارة التي أبهرت المستشرق الغربي والرحالة، ولكن ماذا عن أبناء هذه المنطقة أصحاب الحضارة العربية الإسلامية، وكيف يمكن أن تتحول من حالة الجمود إلى حالة الحركة، علما أَنَّ ثنائيَة الحركة والجمود تشكِّل المحورَ الرئيسي الذي يقرِر ظهور الحضارة وتقدمَها وازدهارَها، أَو ضمورَها وانهيارَها،ولكن كيف يمكن أَن يُحقِّقَها أَبناء هذه الحضارة التي أبهرت الغرب وعمل على اكتشافها، والتي يمكن أن تنقلهم من حالة الجمود إلى حالة الحركة، في الوقت الذي يخضعون فيه للقيودٍ، للإجابة عن هذا السؤال يحب أولاً تحرير الإنسان العربيِ ليتمكَن من الحركة والتفكير والإبداع، وبالتالي التقدم، ولكن تحريرَ الإنسان يتطلَّب أولاً تحرير عقله قبل كلِ شيء، ذلك العقلُ المكبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها