النسخة الورقية
العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

البيضة التي دخلت التاريخ

رابط مختصر
العدد 10945 الخميس 28 مارس 2019 الموافق 21 رجب 1440

لم يكن الفتى الاسترالي ويل كونولي، والبالغ من العمر سبعة عشر ربيعا، يعلم أنه بين ليلة وضحاها سيتحول إلى «بطل تاريخي على السوشل ميديا». وبفضل هذه الوسائل العجيبة والتقنية صارت المشاهد في اعقد اللحظات واكثرها حرجا في متناول الشارع والمقاهي والمنتديات في كل أرجاء العالم. تلك «البيضة» التي كانت في ذاكرتنا حكاية شعبية وسفسطائية حولها تحولت لحقيقة سياسية وشعبية!، حكاية من هو الاول الدجاجة أم البيضة ؟! وظلت تلك المقولة حاضرة دون حل ولكن الفتى «فتى البيضة» ويل كونولي اوجد لنا حلا لمعضلة السؤال التاريخي.
وبذلك الحل الساحر مؤكدا كونولي أن البيضة كانت اقدم من الدجاجة حين وضعها أمام العدسات على رأس السيناتور الاسترالي العنصري فرايزر أنينغ نتيجة تصريحاته العنصرية ضد المسلمين بعد حادثة نيوزيلندا.
تفاعلت حكاية «البيضة التاريخية» لتفقس لنا دجاجات كثيرة على وسائل السوشل ميديا وتتحول ايقونة كونولي ليس في استراليا وحسب بل وفي كل انحاء العالم الى رقم خيالي، ففي مدة قياسية قصيرة صار له متابعون على الانستغرام بلغوا نصف مليون متابع، بل وكان التضامن جميلا وانسانيا معبرا بنبالة، حيث جمعوا له وخلال يومين لا غير مبلغ 50 الف دولار كاتعاب قضائية وغيرها.
لم تتوقف الحركة التضامنية عند سقف وحدود معينة وحسب وإنما حلقت كالصقور في قمم الجبال العالمية، لتصبح صورته في جداريات المدن وعلى غلاف أهم المجلات، بل وتحولت اعلاميا الى موضوع في التلفاز للاعلامي جون أوليفر.
من هنا نستعيد حكاية «البيضة التاريخية» لنتذكر ان البيض والطماط كان دوما من نصيب الساسة والنواب، حين يقذفهم الجمهور بتلك المادة السهلة الانكسار وسريعة التلطخ واللزوجة على وجوه وملابس المعنين بغضب واستنكار رجل الشارع.
وفي ذات المرات من حكايات البيض المكررة، ان احد الساسة الملطخين بصفار البيض كلوحة سيريالية !! ونتيجة بروده وشدة الحياء مما اصابه فالتفت لعدسة الصحفيين ليعلق بكل حماقة وبرود بقوله: «اكتشفت ان البيض رخيص عندنا !». بهكذا معنى ودلالة افصح السياسي عن وقاحته في لحظة لم يكن فيها هناك ـ عند قذف البيض ـ اهمية كما هي «بيضة كونولي» والعراك باليد بين الفتى الحانق على ابن بلده النائب، بفعل اقواله ومواقفه العنصرية.
دون شك قبل عقود بل وحتى قبل اسابيع لو حدث فعلا وعملا وموقفا بعيدا عن عدسة الهواتف الذكية، فلا أحد بإمكانه معرفة ماهية وتفاصيل الحدث وسيمر مرور الكرام، بينما اليوم من بإمكانه تخيل موقع ومكان ما سيخلو من بشر بلا هواتف نقالة سريعة الالتقاط، وسريعة النشر والتوزيع. هكذا في عالم الفضول الجامح تحولت بيضة كونولي الفتى إلى بيضة تاريخية تذكرك بلوحات بيكاسو وسلفادور دالي في مزاد عالمي.
تلك اللفتة الانسانية للفتى الاسترالي ويل كونولي عكست لنا مؤشرا جديدا وايجابيا هو حالة التعاطف والتضامن مع المسلمين بعد أن كنا نسخة مشوهة من واجهة داعش وغيرها مما سبق من تجارب القاعدة والمليشيات الاسلامية المتناثرة هنا وهناك، والمعنونة عالميا في خانة الارهاب. حادثة نيوزيلاندا انتجت حادثة ويل كونولي، حتى تحركت عجلة التعاطف العالمي بالمزيد نحو اهمية مناقشة واعادة النظر في «ظاهرة الاسلاموفوبيا» المشبوهة في الاساس منذ فترة، فهي كانت تترجم التضخيم والمبالغة العدوانية تجاه العالم الاسلامي والمسلمين، مهتما العالم «المشبوه وراء تلك الحملة المضللة» بتعميم قضايا ونقلها من تكوينها وحالتها الخاصة الى حالة عامة وسمة لصيقة بالمسلمين لكل حادث ارهابي. لا احد يتبرأ من كل فعل مشين مهما كان مصدره، ولكن في ذات الوقت يجب أن نعترف أن الارهاب لا وطن ولا لون ولا شكل ولا عرق ولا امة له. الارهاب ظاهرة كونية متكررة ومتنقلة، وفي سمة و مظهر محلي وجغرافي نلمسها بيننا دون جدار عازل. وبذلك يصبح موقف الفتى ويل كونولي مع السيناتور الاسترالي فرايزر درسا عميقا للتأمل، دون أن ننسى أن بيضة كونولي الاسترالية شهية في موسمها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها