النسخة الورقية
العدد 11035 الأربعاء 26 يونيو 2019 الموافق 23 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ضد الأحزاب والاستلاب

التعايش المستحيل مع النيوليبرالية المتوحشة

رابط مختصر
العدد 10944 الأربعاء 27 مارس 2019 الموافق 20 رجب 1440

كانت باريس كئيبة هذه المرة، حزينة وكأنها في حالة حداد: لأول مرة أرى الشانزيليزيه يوم السبت شبه خال من المارة، إلا قليلا من عابري السبيل الذين اضطرتهم ظروف العمل او مقتضيات العبور بهذا الشارع إلى المرور به.
هذ الشارع الذي كان على الدوام فخر العاصمة الفرنسية، مشرقا بالأنوار والموسيقى والواجهات البراقة، مزدانا بالمقاهي والمطاعم والمتاجر وآلاف السياح.!!
كانت باريس هذه المرة على صورة أخرى، غير معهودة، يحتلها المحتجون من حملة السترات الصفراء وغير الصفراء، محتجون من كل الأعمار، نساء ورجالا، يحتلون المكان بألوانهم وصيحاتهم التي يموج بها المكان الفسيح، والشارع الطويل، من قوس النصر إلى ساحة الكونكورد.
معركة مستعرة يلمسها الزائر في اليافطات والملصقات وفي أخبار القنوات التلفزيونية الفرنسية وفي الشعارات المرفوعة. وأكثر ما كان يلفت الانتباه في لعبة السياسة أو كسر العظم الجديدة بين (الصفر) رمز الفئات المرهقة بالضرائب وضعف الدخول، وبين ما يسمونه (نظام الأغنياء والمستثمرين) الذي لا يبدو عابئا بهم إلا قليلا، عن طريق بعض التنازلات البسيطة التي لم تعد تقنع أصحاب المطالب، مؤكدين:«لقد فات الأوان»، لأنهم يريدون أكثر من التراجع عن فرض الضرائب. إنهم يطالبون بتغيير طبيعة النظام، بالحفاظ على شبكة الأمان الاجتماعية التي ضمنتها الجمهورية الخامسة للجميع، بدولة للجميع وليس دولة للأغنياء (كما يقول بعضهم...)!
 سائقة التاكسي اليوغسلافية الأصل (نسبة الى يوغسلافيا السابقة) والتي تعيش في باريس من حوالي 20 سنة، أمضت أكثر من ساعة وربع لتوصلني إلى الفندق، بسبب غلق العديد من الشوارع، وهي مسافة كنا نمضيها في الأيام العادية في 20 دقيقة على أقصى تقدير.
قالت ردًّا على استغرابي من الحالة التي آلت إليها هذه المنطقة من باريس العظيمة: «الوضع تغير في هذه المدينة، وفي لحظات الضيق استشعر بأنني أكاد أكون في مدينة من العالم الثالث، أشعر بأسف شديد، لأني أحب هذه المدينة رمز الازدهار والحرية والتعايش. الناس في البداية كانوا يحتجون بشكل أساسي على ارتفاع أسعار الوقود، والرئيس ماكرون كان يؤكد إن حافزه للزيادة في الأسعار هو الحفاظ على البيئة، إلا أن كلامه لم يقنع الناس أحدا على ما يبدو، وحتى لما تراجع عن قراراته واصل هؤلاء الاحتجاجات التي بلغت بعض شعاراتها إلى حد المطالبة برحيل الرئيس، وقد اكتسبت هذه الحركة زخما وجذبت إليها فئات مختلفة من مختلف الاتجاهات، من أقصى اليمين إلى اقصى اليسار إلى الناس العاديين والمهمشين والطلبة..».
الأخطر - والكلام ما يزال سائقة التاكسي - أن هذه الاحتجاجات التي تستمر منذ أكثر من أربعة أشهر وطالت أكثر من اللازم، أنها تحولت أمنيا الى عبء كبير خاصة في لحظات نهب المتاجر والحرق، وتحولت سياسيًا إلى مواجهات مع السلطة، فأصبح «التعايش مستحيلاً» بين الرأسمالية الليبرالية المتوحشة التي لا تهتم إلا بحركة المال والأرباح والضرائب وبين الملايين من المهمشين، ومن الفقراء والشباب. ولكن الأهم، في رأيي، أن هذه الحركة قد تحولت إلى ما يشبه التمرد ضد الطبقة السياسية الحاكمة في فرنسا حاليًا - بالرغم من أن الرئيس قد انتخب بنسبة كبيرة..يا للمفارقة-هذه الطبقة لم تعد محل الثقة والاجماع، إنها فعلا حركة قوية وتذكرني إلى حد ما بثورة الطلاب في 1968م، مع فارق التوقيت والشعارات، ولذلك استشعر أحيانا أنهم يطالبون بما يشبه النتائج الجوهرية التي أعقبت ثورة الطلاب في مايو 1968م.
«قلت للسائقة اليوغسلافية-كما يحلو لها أن تسمي نفسها» لكن حركة مايو 1968م لم تكن مجرد احتجاج أو تمرد يطالب بتخفيض الضرائب، فقد كان حركة فكرية-سياسية في ذات الوقت، أنظم إليها أبرز المثقفين والمفكرين، وجمعت بين الطلبة الجامعيين والعمال والمثقفين في ذات الوقت. وكانت في النهاية رفضا جذريا سلطة الرئيس شارل ديغول، وضد الحزب الشيوعي وضد الرأسمالية، ضد النقابات، وضد مجتمع الاستهلاك معا، وكان الشعار الجوهري للحركة هو رفض الاستلاب الرأسمالي.
قالت سائقة التاكسي التي تحمل شهادة جامعية في علم الاجتماع: «لا فرق جوهريا إلا في الزمن واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، هذه الحركة أيضا ترفض ماكرون واليمين واليسار والنقابات والاستلاب الرأسمالي وتدعو إلى إقامة مجتمع عادل. ومثلما أعادت حركة مايو 1968م الحياة للفكر والفلسفة، فقد فتحت حركة السترات الصفراء باب المراجعة لتحولات النيوليبرالية المتوحشة التي لا تهتم إلا بجمع المال وتثمير المال، لقد أعادت الأمل في إمكانية نقد الرأسمالية والبحث مجددا عن طريق ثالث بوجه انساني يؤمن للناس-وخصوصا الفقراء منهم-شبكة الأمان الاجتماعي، وفي الخلاصة إنها حركة مهمة ولافتة وسيكون لها تأثير لاحقا لأنها ترفض المجتمع الذي تحكمه السلعة، هذا هو الواقع الذي يجب تغييره».
قول على قول : تعقيبًا على ما أوردته على لسان أحد القراء في مقال سابق مداره العلاقة بين التعدد والحرية والديمقراطية، وردني تدقيق من ذات القارئ المحترم وهو صديق على درجة عالية من الثقافة، جاء في موجزه:«ما كتبت إليكم إلا تفاعلا مع ما قد بادرتم بكتابته، وما تفاعلي معه إلا اعتداد به وتقدير لصاحبه وللأهمية التي أراها لمكتوباته في مشهد صحفي قلما استثار اهتمامي. وبعد هذا، أشكرك على ما أغدقته علي من كريم الإطراء، وإني لأرى صاحبك - على كثرة مثابرته في القراءة والتفكير - أبسط من ذلك وأدنى. والخلاصة أنني أحب أن أقرأ لكم، وتقديرا وإيمانا تجاوبت فعقبت. ومع ذلك، أرى أن التعقيب الثاني الذي أوردته في مقالك منسوبا إلى أحد الأكاديميين، كان محقا فيما لفت إليه، إذ أن التعدد (plurality) لا يدار مواطنيا (طبقا لمنظور المواطنة وفلسفتها) إلا إذا تأسست هذه الإدارة على ثقافة تعددية (pluralistic culture/‏pluralism)، أما إذا كانت البيئات (الوطنية وما دون الوطنية) والحواضن (الاجتماعية والإيديولوجية) غير تعددية (أي أحادية) فلا فرصة لوجود (فضلا عن ازدهار) الحرية والديمقراطية. أما التعدد فإنه - متى وجد في مجتمعات هذه حال بيئاتها وحواضنها - يصبح، ضمنها وبسببها، خميرة لظهور الانغلاق والانعزال والانقسام والتفكك والانفصال، ولظهور التعصب والاستعلاء والكراهية والتطرف، ولنشوب الصراع والعنف اللذين قد يصلان حد المواجهات لا قدر الله. فلقد كان مهما جمعكم بين التعقيبين. وهكذا ترون أن مقالكم الأول هو ما فتح، ابتداءً، الباب، وأن مقالكم الثاني، هو ما استوعب، بين طياته، التعقيب والجواب.
همس
قد يدهشنا حجم قسوة الحياة التي تجعلنا بعيدين، بالرغم من شدة قربنا، وحزانى بالرغم من ضخامة ما في قلوبنا من فرح مكتوم يبحث عن طريق ليعبر عن نفسه. قد يكون العيب فينا، أو قد يكون العيب في الحياة أو في المفارقات التي تجعل من محطة الوصول إلى لحظة الفرح خط نار، ويجعل من لحظة السعادة لحظة مسروقة بين ألمين: ألم الحضور وألم الغياب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها