النسخة الورقية
العدد 11089 الإثنين 19 أغسطس 2019 الموافق 18 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:12PM
  • العشاء
    7:42AM

كتاب الايام

لماذا مجلس التعاون؟ (1)

رابط مختصر
العدد 10943 الثلاثاء 26 مارس 2019 الموافق 19 رجب 1440

لم يكن إنشاء (مجلس التعاون) محض صدفة، ولم تكن روابط الدين والدم واللغة والتاريخ والعلاقات الخاصة التي تربط حكّام الإمارات المتناثرة على الضفاف الجنوبية للخليج العربي سببًا رئيسًا لإنشائه، إنما موقع الخليج العربي الاستراتيجي المهم والغني بالنفط والمتحكِّم في خطوط الملاحة الدولية جعله مطمع الغزاة منذ أقدم العصور، فتعاقبت الدول العظمى للسيطرة عليه منذ أواخر القرن الثامن عشر، ابتداءً بالبرتغاليين والإنجليز وليس انتهاءً بالولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت في التمدّد الاستعماري بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وبسطت قوتها ونفوذها على معظم الدول والقارات التي استعمرتها بريطانيا العظمى فيما وراء البحار.
فعندما قرَّرت بريطانيا الانسحاب من شرق السويس وتصفية جميع قواعدها العسكرية في (يناير 1968م) بسبب عجزها عن الانفاق على شبكة مصالحها الاستراتيجية والتجارية، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الانسحاب فراغاً أمنياً استراتيجياً يهدِّد شبكة مصالحها الاقتصادية في المنطقة الغنية بالثروات النفطية الهائلة والمتميزة بموقعها الاستراتيجي، فلم يكن ممكناً لها أن تترك هذه المنطقة الهامة متاحة لتمدّد النفوذ الشيوعي، فقامت بدعم الحكم الإمبراطوري في طهران، وملأت الفراغ البريطاني بإنشاء القواعد العسكرية في دول الخليج المستقلة حديثاً وتوقيع الاتفاقيات الأمنية والعسكرية معها لتقف أمام المَدّ الشيوعي في المنطقة.
لذلك، وجدت دول الخليج العربي نفسها في مواجهة مباشرة مع الصراعات الدولية والإقليمية التي أحاطت بها من كل جانب، وشعرت بتهديد استقلالها وسيادتها بعد انكشاف الغطاء الأمني عنها وتزايد قوة وخطر دول شمال الإقليم، والتي تركَّزت في بوليس الخليج (إيران الشاهنشاهية) التي انقضَّت على الجزر الإماراتية الثلاث وأعلنت فرضها لمنطق القوة في المنطقة، وادَّعت أن البحرين جزء من إمبراطوريتها، ليلي ذلك نجاح الثورة الخمينية عام (1979م)، إضافة إلى (العراق) بنظامه الأيديولوجي البعثي الذي أطاح بالحكم الملكي وأقام جمهورية البعث العربي الثانية بعد سوريا.
فكان القلق البالغ من المصير المجهول الذي أحاط بالإمارات الصغيرة هو السبب الرئيس لإنشاء مجلس التعاون، الذي تأسَّس ليشكّل ترجمة واقعية لحالة أمنية خطيرة جداً على كيانات واستقلال دول الخليج العربي بعد انكشاف الغطاء الأمني عنها المتمثّل في الوجود البريطاني الحامي لوجودها وسيادتها الوطنية من الأطماع والتهديدات الإيرانية والمَد الثوري العربي في خمسينيات القرن الماضي بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر عام (1952م)، وسقوط الملكية التي تبعها تساقط العديد من الملكيات العربية بسبب الانقلابات العسكرية والبيان رقم (واحد) وقيام الجمهوريات الأيدولوجية في العراق وسوريا واليمن، ما عقَّد الأوضاع، خصوصاً وأن دول الخليج لم تكن تمتلك أسس النظام السياسي والإداري والعسكري للدولة الحديثة؛ لذلك كان عليها البحث الجاد عن طوق النجاة الذي جاء في عدة مشاريع، أبرزها:
• مشروع إقامة الاتحاد التساعي عام (1968م) بين إمارات الساحل المتصالح (أبوظبي، دبي، الشارقة، رأس الخيمة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة) والبحرين وقطر، والذي فشل بسبب الضغط الذي مارسته طهران على إمارات الساحل المتصالح بعدم قبول (البحرين) عضوًا في الاتحاد وادعاءاتها بأن البحرين جزءًا من أراضيها، إلا أن تلك الادّعاءات انتهت وأصبحت البحرين عضواً بالأمم المتحدة والجامعة العربية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي في (11 مايو 1971م)، وذلك بعد استماع المجلس لتقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق برئاسة الايطالي ونسبير التي أكَّدت رغبات شعب البحرين وانتماءه للأمة العربية، فكانت البحرين الدولة العربية الوحيدة التي استطاعت حل هذه المشكلة المصيرية وفقاً للمبادئ المستقرة التي تدعو لها الأمم المتحدة بما يحافظ على الأمن والسلم الدوليين في هذه المنطقة المهمة من العالم.
• مشروع إقامة الاتحاد السباعي عام (1971م) بين إمارات الساحل المتصالح (أبوظبي، دبي، الشارقة، رأس الخيمة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة) وقيام (دولة الإمارات العربية المتحدة) التي تعتبر التجربة الاتحادية الوحدوية العربية الوحيدة التي حقَّقت نجاحاً سياسياً واقتصادياً باهراً، وكان خروج كل من (البحرين وقطر) من الصيغة الاتحادية ارضاءً لإيران ولضمان عدم قيامها بأي تحركات عسكرية، كما فعلت عندما احتلت الجزر الإماراتية الثلاث وسط الخليج العربي عام (1971م).
• تأسيس (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) عام (1981م) بين دول الخليج الست، والذي يعتبر منظومة للتعاون الإقليمي وليس منظومة سياسية تعمل ضد قوى الإقليم، حيث تأسَّس في توقيت كانت تعيش فيه المنطقة خطورة تبعات الحرب العراقية الإيرانية التي اشتعلت من (سبتمبر 1980م) حتى (أغسطس 1988م)، فشكَّل المجلس منظومة واحدة لدرء الأخطار والوقوف صفاً واحداً أمام التهديدات المحيطة.
وعند الوقوف على واقع الوطن العربي آنذاك، والظروف السياسية التي كانت تعيشها دوله، في الوقت الذي كانت تفتقر فيه دول المجلس للتجارب السياسية الناضجة في تلك الفترة المبكرة بعد استقلالها، نجد أن ما كان يسيطر على مجريات الحياة السياسية آنذاك هو المدّ الناصري والبعثي والشيوعي، فكان هناك قلق لدى دول الخليج من انتشار مبادئ ثورة يوليو المصرية، ومبادئ ونظريات البعث العربي الاشتراكي، القريبة جداً من الشيوعية والماركسية بين مواطنيها، والتي كان من الممكن أن تدفعهم للاحتجاج وتنظيم المظاهرات ضد حكّام دول الخليج العربي التي تتهمها تلك التيارات بالرجعية.
فكان تأثير تلك الظروف وضغوط الدول العربية كبيراً جداً على السياسة الخارجية لدول الخليج العربي تجاه القضايا العربية المختلفة، خصوصاً وأن تلك الدول العربية تعتبر دولاً (متقدمة) وتتصدَّر مركز القرار والثقل السياسي العربي خاصة (الجمهورية العربية المتحدة) بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
إلا أن انهيار القيادات الثورية التي تزعمها جمال عبدالناصر بعد نكسة عام (1967م) التي انهزمت فيها (مصر وسوريا والأردن) واحتلال إسرائيل لسيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان، أدى إلى تغيير جذري في قوى مركز النفوذ السياسي والاقتصادي والمالي العربي، فبرزت (السعودية والكويت) كأهم دول القرار العربي في الثمانينيات، وزادها قوة تأسيس مجلس التعاون الذي يعتبر التجربة الوحدوية العربية الوحيدة الناجحة على امتداد الوطن العربي بعد تجارب وحدوية فاشلة أهمها:
•  الجمهورية العربية المتحدة: بين مصر وسوريا التي أُعلنت عام (1958م) وانتهت عام (1971م).
• الاتحاد العربي الهاشمي: الذي ضم العراق والأردن الذي أُعلن عنه في (فبراير 1958م) وانتهى بعد شهور قليلة.
• اتحاد المغرب العربي: الذي تأسَّس عام (1989م) وضمّ كلاً من (المغرب وتونس والجزائر وليبيا وموريتانيا)، ولم يَعقد قمة على مستوى الرؤساء منذ قمة تونس عام (1994م).
ورغم نجاح تجربة (مجلس التعاون) عبر مسيرته التي قاربت من عمرها (38)، ورغم ما حقَّقه من انجازات عظيمة نحو الوصول إلى (الاتحاد) الذي يعتبر الطريق الصحيح نحو بناء المستقبل الجديد للأمة العربية وهو الذي نصَّت عليه المادة الرابعة من النظام الأساسي للمجلس، إلا أنه يواجه في الفترة الحالية أكبر تحدٍ يهدد كيانه وينذر بانهياره؛ بسبب تداعيات الأزمة القطرية، فاستمرار منظومة مجلس التعاون يتطلَّب معالجة هذه الأزمة جذرياً ومواجهة الخلافات بين دول المجلس، وهذا سيكون محور مقالي الأسبوع المقبل بإذن الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها