النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10972 الأربعاء 24 أبريل 2019 الموافق 19 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

«اكتب ما تشاء فلن يعبأ بك أحد»

إيقاف نزيف الوعي والاقتصاد المجحف بطاقة العقل!!

رابط مختصر
العدد 10942 الاثنين 25 مارس 2019 الموافق 18 رجب 1440

تردني بعض الملاحظات والتعقيبات على ما أكتب في هذه المساحة المحدودة، وأجد صعوبة في الغالب في نشرها جميعا أو التعقيب على جميعها، بالرغم مما تتضمنه من ثراء وأفكار قيمة، ولذلك أسعى من حين لآخر إلى تجميعها ونشر ما يمكن نشره منها، ضمن المقالات مع التعليق عليها لتكتمل صورة المطارحات.
ومن بين تلك التعليقات العديدة التي تصلني ما يتعلق بشكل الكتابة ولغتها، حيث تكررت ملاحظات من نوع: «إن لغة المقالات في العديد من الأحيان ليست لغة صحفية، بل لغة متعالية على القارئ»، وأنها: «تبدو كأنها تتعمد الإغراب واستخدام المصطلحات والتعقيد ولا تخاطب قارئ الصحف بل تخاطب نوعا من النخبة»... (هكذا).
كما وردني من أحد الأصدقاء الكتاب ملاحظة مماثلة تدعم الملاحظة السابقة، يقول فيها: «بقدر ما أحب أن أقرأ لك، بقدر ما أجد بعض الصعوبة أحيانا في استيعاب ما تكتبه، وكأنك لا تتوجه بالكتابة إلى القارئ العادي، ولذلك أنصحك بأن تنزل درجة أو درجتين، فتكتب عن أزمات الإسكان وطول الانتظار، والصحة وتباعد المواعيد واختفاء بعض الأدوية، والتعليم وارتفاع الرسوم الدراسية، والازدحام المروري القاتل في الشوارع والذي يهلك الوقت ويعطل الحياة، ويسبب الازمات النفسية والصحية، وأزمة بطالة الخريجين ما تتسبب فيه من مشاكل اجتماعية، وغير ذلك من الموضوعات التي تهم الناس بالدرجة الأولى، ويمكن للكاتب أن يدلي فيها بدلوه، بما ينير الرأي العام من ناحية، وبما يسهم في حل بعض هذه المشكلات إن أمكن. ويضيف:«إن بعض ما تكتبونه كمثقفين لا أظن معظم القراء يفهمونه أو يهتمون به، فكأنكم تبحثون عن الإغراب عمدا، وهذا مخالف لمنطق البيان في الثقافة العربية».(هكذا).
والحقيقة أن مثل هذه الملاحظات المتكررة تدعو إلى إعادة النظر بالفعل في بعض ما نكتب، لأن«الأمة لا تجمع على ضلالة»، حيث يبدو أن المطلوب هو ليس مراجعة أسلوب الكتابة فحسب، ليكون قريبا أكثر من لغة الناس بل المطلوب تغيير الموضوعات نفسها والتحول بها إلى الشأن الاجتماعي والخدماتي، لتستجيب لانتظارات القراء الكرام، وإلا فإن الكاتب سيظل خارج مساحة التلقي أصلا.
ولكن مع الاعتراف بذلك، فإن هذا الأمر يدعو في ذات الوقت إلى التساؤل: هل لهذه الدرجة لم يعد البعض بقادرين على بذل أي جهد في التلقي؟
ألا يكون استنكاف اللغة التي توصف بالمتعالية نتيجة مباشرة لغلبة ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي التي طغت وتعاظمت وأصبحت هي النسيج المرجعي الأكثر تأثير. هل لهذه الدرجة أصبحنا عاجزين عن فك شفرة بعض الأسطر التي تكتب في سياق تحليل فكرة أو حادثة؟
فبعد أن كنا نتوق لتحقيق تجارب إعلامية رصينة تفسح المجال للمثقفين والمفكرين والأدباء والكتاب، أصبحنا نبحث عن مادة إعلامية، مرفق بها دليل استخدام أو قاموس لـ«شرح النص»أو بهوامش لتفسير الأفكار وبعض المفردات التي يستعصي على المتلقي استيعابها؟؟!!
ولو أن الأمر اقتصر على القارئ العادي البسيط، ضمن هذا الجدل لهان، أما أن يأتي الاحتجاج من بعض الذين نعتبرهم مثقفين أو كتابا، فهذا يعني أن هناك خللا ما، في مكان ما منذ زمن ما، لا أدري!!
ومازالت أذكر جيدا أن قراء الصحف في الأزمنة السابقة، وإلى عهد ليس ببعيد جدا، والتي كان يكتب فيها كتاب وأدباء ومفكرون مرموقون، كانوا يهتمون بالمسائل التي كانت تطرح وحتى تلك التي تنشأ بين الكتاب نتيجة اختلاف وجهات النظر، بين منتصر لهذا الرأي أو لذاك، أو لهذا الاتجاه الفكري او الأدبي أو ذاك على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم. ولذلك نشأت وتطورت حياة فكرية وثقافية مزدهرة، ولم يقتصر ذلك على الكتاب فحسب بل شمل القراء والمتابعين، للصحافة عامة وللصحافة الأدبية خاصة.
أما اليوم، وبالرغم من انتشار التعليم والتعليم الجامعي بشكل غير مسبوق، فإن موضوع التلقي قد أصبح أكثر تعقيدا وإثارة للإشكالات التي يتوجب النظر فيها ومراعاتها بالنسبة للكاتب الذي يتطلع إلى أن يكون له متلقون.
لقد كانت هناك مؤشرات سابقة لهذا المنعطف الذي وصل إليه موضوع التلقي في ظل ثقافة التنحيف الثقافي وانتشار فكرة «ابتعد عن الثقافة تعش»، بما جعل العديد من الناس ضحايا قناعات لا تحث إلا على التخفيف من الوزن الثقافي، واتباع ما يمكن أن نطلق عليه مجازا مصطلح «رجيم قاس ليتخلص من اللغة التي أصبحت توصف بكونها متعالية على القراء»، حتى أنه ليبدو كأن المطلوب اليوم، رغم ارتفاع المستوى التعليمي (مقابل تدني المستوى الثقافي) أن لا تخرج أية مادة إعلامية، أو مقال للرأي عن الدرجة صفر من التلقي، وكأن الذين سيطالعونه ما زالوا غير مستعدين لبذل أي جهد في القراءة والانفتاح على مختلف أنواع الكتابة.
فإذا كانت عملية الاستيعاب عسيرة لهذه الدرجة، وكل مقال يخرج عن الوصفة السحرية للفهم الدارج المرتهن إلى اللغة في درجتها الصفرية، سيكون مصيره، صرخة في واد، وقفزة في المجهول، يقول لك أصحابها بكل بساطة:«أكتب ما تشاء ولن يعبأ بك أحد» و«عبر عما تريد، ولكن لن تعبر كلماتك ولن تصل إلى الاسماع».!
أما النص المفتوح فيطارد العقول المنفتحة، والمتلقي الملقح ضد أمراض اللامبالاة والاستقالة لأتفه الأسباب، ويغازل المتلقي الملقح في كل قدراته الإدراكية والابداعية، فيتلقى المقالات الخارجة للتو من عمق المعاناة أو التجربة أو النظر الفكري والثقافي، ليعقب ويجادل ويناقش ويتفهم ويعلق ويعقب وليعمق الطرح والفكرة والموقف، بعيدا عن منطق الاستخفاف والتجاهل أو الشتم والتعيير والاستنقاص، بما يسهم في خوض وقائع رفض الوقوف عن حافة أمام المخلوعة، ورفض التكلس الفكري والجمود والجحود والتحجر.
لقد شفينا نهائيا من مرض البحث عن حل في«كراسي المعلم» كما كان الفيلسوف الفرنسي الأكثر شهرة هنري برغسون، ولكن خلق الله لم يشف من البحث عن نفس الحل في التضاريس الجسدية وفي التشجيع على إدمان كل ما هو بعيد عن الثقافة والفكر.
وأعتقد في النهاية، اعتقادا كأنه اليقين، أننا نحتاج إلى حلول جذرية لإيقاف نزيف الوعي والاقتصاد المجحف بطاقة العقل، وإعادة الاعتبار لكل شمعة قادرة على إضاءة الأماكن المظلمة والفضاءات الدامسة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها