النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10967 الجمعة 19 أبريل 2019 الموافق 14 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

حديث الساعة في الدول المتقدمة

رابط مختصر
العدد 10940 السبت 23 مارس 2019 الموافق 16 رجب 1440

تستحوذ الشعبوية كحركة سياسية اجتماعية جديدة على المشهد العام في الغرب، وتمتد الى الولايات المتحدة الإمريكية، حيث كان فوز الرئيس دونالد ترامب تجسيدًا لها. وينشغل الباحثون بالشعبوية في كلا القارتين في البحث عن أسبابها. ظهرت الشعبوية مثل طائر الفينيق بعد اختفائها عدة عقود من المسرح السياسي الغربي والأمريكي. وكان الأمر يبدو في البداية غريبًا ومفاجئًا للكثير من المراقبين والباحثين في هذه البلدان. البعض يرجع السبب الى الأزمة الاقتصادية الشاملة التي ضربت العالم في عام 2008 وخلفت ركودًا اقتصاديًا شاملاً. 

الجيل القديم الذي عاش قريبًا من ثلاثينات القرن الماضي يستعيد محذرًا مساوئ الشعبوية السابقة بعد أزمة اقتصادية أيضا جاءت في العام 1929، وسببت الحروب القومية البينية في الغرب. التاريخ يعيد نفسه كما أعاد – هذا التاريخ – الشعبويين للانتشار والاستحواذ على المشهد السياسي في الوقت الراهن، من السويد في الشمال الى إيطاليا في الجنوب، وما بينهما فرنسا وألمانيا والمجر والنمسا وغيرهم. 

وهناك الخلل الديموغرافي الذي أربك الاقتصاد، وفي ذلك يقول الكاتب ريشر شارما في كتابه (ازدهار وسقوط الأمم) أن هناك تدنيًا في مستويات الخصوبة في الغرب أحدث تراجعًا في أعداد السكان، وانتشارًا للأسر النووية الصغيرة وتقليص الإنجاب، بعد استغناء الكثيرين عن شكل الأسرة التقليدية، والنتيجة أيدي عاملة أقل، ومعدلات تقاعد مستمرة، ما ترك تأثيرًا سلبيًا على النمو الاقتصادي. ويرجح البعض أن وقف الهجرة الى بريطانيا الذي سيحدث بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي سيتبعه نقص في الأيدي العاملة. وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو بدوره له علاقة بالتوجه الشعبوي، الذي يعتقد أن المؤسسات الدولية تضر اقتصاد بلدانها، وبالتالي فالأنفع هو الانفصال عن الاتحاد الأوروبي الذي تسيطر عليه النخب السياسية المتواطأة مع الرأسمالية. 

الدول التي تحكمها الأحزاب الشعبوية تقود هذا التوجه، على سبيل المثال لا الحصر، إئتلاف اليمين المتطرف في الحكومة الحالية في إيطاليا: حزبي الخمس نجوم ورابطة الشمال، وهي (هذه الحكومة) لا تنفذ سياسات ووصايا الاتحاد الأوروبي المالية لتنظيم عجز الموازنة في إيطاليا. في هنغاريا التي يحكمها الشعبويون بزعامة رئيس وزرائها فكتور أوربان تسير الأمور في نفس الاتجاه، وهناك حكومات إئتلافية يدخلها الشعبويون من اليمين المتطرف تضغط أيضا في اتجاه فك الارتباط بالاتحاد الأوروبي أو (كخيار آخر) الاستحواذ عليه في انتخابات مايو العام القادم. 

يقول المتابعون للشأن الأوروبي أن أوروبا اليوم تعيش أسوأ أزماتها الاقتصادية والسياسية بعد الحرب العالمية الثانية. ويبدو لي أن الأزمات الأكبر في كل البلدان هي الأزمات الاقتصادية، فإذا وجدت أزمة في بلد أوآخر ستجد أن الخلل الرئيسي في الاقتصاد. ولا أمان لآلية الاقتصاد المتحولة. لكن هل سبب صعود الشعبوية اقتصادي بحت فقط؟ هل هناك أسباب أخرى داعمة ومعززة؟ المراقبون في البلدان الغربية وأمريكا التي تتشابه أزماتها مع الغرب، يتفقون ويختلفون والسجال قائم يشترك فيه السياسيون والمفكرون وخبراء الاقتصاد، يدفعهم الخوف من تداعيات صعبة قد تتعرض لها مجتمعاتهم. وثمة تشابه بين التيارات الشعبوية في القارتين.

في الغرب كما في الولايات المتحدة لا تتوقف الدراسات والاستبيانات والحوارات وإصدارات الكتب عن نبش هذا الموضوع، والبحث عن أسبابه، وكيف يمكن تفادي تبعاته الخطيرة. تحقيق أخير لنيويورك تايمز الأمريكية مع مسؤولين وباحثين في العالم المتقدم أرجعت انتشار الشعبوية الى: الأرهاب العابر للحدود، وموجات الهجرة من الشرق الأوسط، ومن المكسيك وأمريكا الجنوبية بالنسبة لأمريكا، ويرى مدير الاتحاد الأوروبي للعلاقات الخارجية أن جزء من الأزمة هو من إفرازات العولمة وتجميد رواتب الطبقة الوسطى، وهو أحد أسباب انتفاضة ذوي السترات الصفراء في فرنسا على سبيل المثال. إتساع الطبقة الوسطى في أي بلد يحمل دلالة العافية الاجتماعية والاقتصادية وبالتالي السياسية، فانحسار الطبقة الوسطى يعني إتساع طبقة ذوي الدخل المحدود وبالتالي اتساع الطبقة الأكثر هشاشة. 

في استبيان أمريكي لمعرفة نبظ الشارع، عرض على الأمريكيين البيض سؤال يقول: هل تنتخب الحزب الذي يكون برنامجه إيقاف الهجرة وتوفير الوظائف  للأمريكيين البيض والحفاظ على التراث المسيحي وإيقاف التهديد الإسلامي، أجاب 65%: بنعم. وفاز دونالد ترامب في الانتخابات ببرنامج مشابه لهذه التطلعات، وهو نفس البرنامج الذي تفوز به الأحزاب الشعبوية في الغرب. هل هناك أسباب أخرى لانتشار الشعبوية؟ يضيف بعض الدارسين الغربيين سبب آخر يتعلق بالأحزاب السياسية التقليدية، فمنذ العام 1980 تراجع التصويت الطبقي التقليدي الذي كان سائدًا قبل هذا التاريخ في الغرب وأمريكا: الطبقة العاملة كانت تؤيد اليسار، والطبقة الوسطى والعليا تؤيد اليمين. بعد التاريخ المذكورتداخل الاتجاهان في بريطانيا وفرنسا والسويد وألمانيا. ما التغيير الذي حدث؟ الأحزاب اليسارية تقبلت السياسة اليمينية في الاقتصاد، وتخلت عن الأيديولوجيا الاشتراكية السابقة، متجه الى حوزة الرأسمالية، ما شكل ضغوطا على الطبقة العاملة والهشة. 

يقول أحد الدارسين إن أحزاب اليسار اليوم هي أقرب الى الوسط، عما كانت عليه قبل ثلاثين عامًا. اليمين بدوره أصبح يؤمن بالتعددية الثقافية والإصلاحات الاجتماعية. تقارب اليمين واليسار خلط الأوراق السياسية. المجتمعات الغربية تعيش اليوم تحولات واسعة، وتواجه تحديات اقتصادية واجتماعية فرضتها العولمة والتطور التكنولوجي. وهناك قلق يستشري في الأوساط السياسية والاقتصادية (كما يستشري في الشارع)، فيما سيترتب مستقبلاً على حلول الروبوتات والعقل الإصطناعي محل البشر ما سيؤدي الى اتساع البطالـة، التي قد تؤدي الى احتقانات سياسية واقتصادية جديدة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها