النسخة الورقية
العدد 11056 الأربعاء 17 يوليو 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

واهم من يعتقد أننا غزاة.. نحن أصحاب حضارات وعلوم

رابط مختصر
العدد 10940 السبت 23 مارس 2019 الموافق 16 رجب 1440

ربما أكون صادما إذا تحدثت عن واقعة الإرهاب الأبيض التي شهدتها مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية الهادئة بصورة تتناقض مع الطريقة التي رصد بها مراقبون عرب كثيرون تلك الحادثة الإرهابية البشعة، فالواقعة ليست جديدة على المسلمين والعرب فهي متكررة، وعلى سبيل المثال واقعة دهس مسلمين لحظة مغادرتهم مسجدا في شمال لندن رمضان قبل الماضي، وغيرها من حوادث الإسلاموفوبيا التي تنتشر في الغرب والولايات المتحدة، ولكن عيبنا النسيان حتى تباغتنا واقعة جديدة، لنعلن بعدها بيانات الشجب والإدانة، وهي محفوظة عن ظهر قلب.

 واقعة نيوزيلندا مأساة حقيقية، تنم عن أحقاد دفينة لدى أفراد الجنس الأبيض الذين يرون في أنفسهم أنهم أخيار العالم وعليهم مسؤولية السيطرة عليه والقضاء على ما دونهم من بشر وعرقيات وأديان أخرى، وهؤلاء واهمون في اعتقادهم، فليس الجنس الأبيض صاحب فضل على البشرية ولا هم أصحاب ريادة في مجالات العلوم والرياضيات والطب والفكر والفلسفة، فشواهد التاريخ وحقائقه تثبت بيقين بالغ أن أبناء الجزيرة العربية وكل من هو مسلم هم أصحاب النهضة العلمية في العالم، فالعرب سادة العالم القديم، وانتشر علمهم وثقافاتهم وعلومهم مع موجات الفتح الإسلامي القديم. وبالتالي ليس صحيحًا أن أصحاب البشرة البيضاء هم الذين صنعوا حضارات العالم، حتى وإن كان أصابنا الوهن وتراجعنا في الآونة الحديثة، واعتمدت مناهجنا العلمية والفكرية على الغرب وعلمائه ومفكريه. 

كانت هذه بداية ضرورية لقراءة أحداث واقعة مسجدي كرايست تشيرش، التي حركت المياه الراكدة وتحفزنا على ضرورة إعادة دراسة تاريخنا وماضينا للنهوض بحاضرنا ومستقبلنا، كذلك ردا على طريقة تفكير الإرهابي الأسترالي برينتون تارانت، الذي صاح وقت ارتكاب جريمته قائلاً: «أهلا باللاجئين في الجحيم، نحن قادمون إلى القسطنطينية وسنهدم كل المساجد»، ودعا الى قتل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي رحبت باستقبال لاجئين من سوريا هاربين من نيران وجحيم الحرب الأهلية في بلدهم.. ليس هذا فقط بل كتب على سلاحه جملة «أهلا باللاجئين في الجحيم» الذي اطلقها شعارا له، محذرا الأتراك باعتبارهم أكبر جالية تعيش في ألمانيا من الهجرة خارج بلادهم ومطالبتهم بالعودة إليها: «يمكنكم العيش في سلام في أراضيكم فى الضفة الشرقية للبوسفور، لكن إذا حاولتم العيش في الأراضى الأوروبية، في أي مكان غربي البوسفور، سنقتلكم وسنطردكم أنتم الصراصير من أراضينا». ونخرج من هذه الكلمات القليلة أن الإرهابي يعتبر نفسه مواطنا أوروبيا وعالميا، رغم أنه نفسه ابن لزوجين بريطانيين هاجرا الى أستراليا وتركها هو للعيش في نيوزيلندا، فهو يرى نفسه قد امتلك العالم بأسره، ويأمر هذا بالعيش هنا وذاك بالرحيل الى هناك. ويزيد تارانت في غيه وتحذيراته للأتراك باعتبارهم مسلمين، ويهددهم بهدم كل مساجدهم ومآذنهم وتحرير كنيسة آيا صوفيا التي تحولت الى مسجد بنفس الاسم في أسطنبول باعتبارها حقا لكل مسيحي في العالم. 

الخوف كل الخوف أن يكون هذا الإرهابي نواة لجماعات إرهابية عنصرية سرية أخرى في أوروبا وأستراليا وكندا وأمريكا، وهنا ستندلع حروب دينية لن يستطيع أحد ايقافها، فالتحريض الديني من أشد أنواع التحريض في العالم، خاصة أنه ينبع بسبب العقيدة ذاتها، حيث يرى كل منتمٍ لدين معين أنه صاحب الحق في الحياة على أن يذهب غيره الى الجحيم، وهذا ما اتضح من رسائل الإرهابي تارانت الذي بث عشرات الرسائل الإرهابية عبر موقع «الفيسبوك» وبث فيها سمومه حيال المسلمين، محذرا من مصير أسود ما لم يغادروا استراليا ونيوزيلندا وأوروبا، ويكفي إشادته بمواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العنصرية، خاصة موقفه المتشدد حيال لاجئي بعض الدول الإسلامية من دخول الولايات المتحدة وإصداره قانونا بهذا المعنى لولا اعتراض الكونجرس الشديد ورفضه لهذا القانون العنصري.. ويكفي ترامب خجلا أن هذا الإرهابي أشاد به وعبر عن إعجابه الشديد به، معتبرا إياه «رمزا للهوية البيضاء المتجددة» وأنه يشاركه الهدف في القضاء على المهاجرين. 

وقد أعود هنا للوراء أسابيع قليلة وتحديدا عندما نظمت مصر في أواخر الشهر الماضي القمة العربية - الأوروبية، التي ناقشت قضيتي الهجرة والأمن باعتبارهما أهم التحديات المشتركة التي تواجه الجانبين في ظل التطورات التي فرضتها الأزمات التي عانتها بعض دول المنطقة وتسببت في حالة من عدم الاستقرار انعكست بدورها على الواقع الأوروبي، وكان أبرز آثارها طوفان اللاجئين والمهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين الذين تدفقوا على السواحل الأوروبية بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي خلق حالة من الجدل الشديد والخلافات المستمرة داخل مجتمعات أوروبا بسبب هذه الظاهرة. وكانت فيدريكا موجيرينى المنسقة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية قد أكدت على هامش هذه القمة أن ما يحدث في العالم العربي يؤثر على أوروبا والعكس صحيح، وأنه يتعين على العرب والأوروبيين البحث عن حلول مشتركة للتحديات القائمة، خاصة في ظل وجود مخاوف وقلق أوروبى حقيقي من ملف اللاجئين الذي يؤثر في ملف الأمن بالتبعية.. ولكي أوضح سبب إشارتي لهذه القمة، ربما أعود الى أبرز دوافع تارانت في ارتكاب جريمته العنصرية، وهو دعوته الى وقف هجرة المسلمين الى الغرب وأقصى الشرق في بلاده وأمريكا، فهو يسمي موجات الهجرة «غزوًا» وفي موضع آخر يصفها بـ«الإبادة الجماعية للبيض»، وهنا يبرر جريمته بأنها انتقام لملايين الأوروبيين الذين قتلهم الأجانب عبر التاريخ وآلاف الأوروبيين في هجمات إرهابية على الأراضي الأوروبية. 

ويبدو جليا من حادث كرايست تشيرش تنامي التطرف وخطاب الكراهية ضد المسلمين في العالم، رغم الجهود الكبيرة التي بذلت خلال الفترة الماضية في مجال الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات، وهو ما يتطلب تكثيف الجهود لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد السلم والأمن في العالم، بعدما أصبحت الإسلاموفوبيا «ظاهرة عالمية لها تداعياتها وانعكاساتها وأضرارها على حقوق المواطنين المسلمين وأمنهم وسلامتهم في الدول خارج العالم الإسلامي»، وهو ما يتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهود الدولية ذات الصلة.. كما يبدو جليا أن الإرهابي الأسترالي وغيره لم يسمعا بعد بوثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها الدكتور أحمد الطيب والبابا فرانسيس بابا الفاتيكان في العاصمة الإماراتية أبوظبي في أوائل فبراير الماضي، والتي دعت الى تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم والوئام والتعايش السلمي والتحالف بين أتباع مختلف الأديان والثقافات والاحترام المتبادل والعيش المشترك، وهو ما أكده شيخ الأزهر على هامش اللقاء بأن الدين بريء من التنظيمات الإرهابية.

 وأشير هنا الى تقرير أمريكي منصف عن واقعة نيوزيلندا الإرهابية، حيث استطلع آراء بعض الخبراء الأمريكيين حولها، وطالب جميعهم الدول الغربية بضرورة حماية مواطنيها من إرهاب «اليمين المتطرف» أو «إرهاب البيض المتطرفين»، وكذلك وضع هؤلاء في سلة واحدة مع «الداعشيين» وأطلقوا عليهم «الداعشيون البيض»، فكلاهما يتشابهان في الكراهية والقتل. ونقل التقرير عن بي دبليو سنجر، خبير في الإرهاب في مركز «نيو أمريكا» ومقره واشنطن، تحذيره من تنامي عمليات التطرف اليميني داخل الولايات المتحدة وضرورة عدم تجاهل ما يمثل تهديدا إرهابيا حقيقيا، قد يسفر عن مقتل المزيد من الأمريكيين، حيث أصبح صعود الجماعات الوطنية المتطرفة، ظاهرة يجب أن تؤرق الأمن الأمريكي.

 وبعيدا عن الإسلاموفوبيا وما يردده عتاة العنصرية والتطرف في الغرب عن الإسلام، فأوروبا تقدمت بفعل خيرات الشرق والمسلمين والعرب، وانتعش اقتصادها بسبب سلبها خيرات الدول العربية والإسلامية وعقولها النابغة، وهنا نحذر من فكرة تنتشر في أوروبا وأمريكا حاليا، وهي العمل علي إقصاء المسلمين في دولهم والتعالي عليهم والحط من قيمهم، وربما لهذه الأفكار قال الإرهابي تارانت إنه أراد إبلاغ رسالة للجميع مفادها أن «الغزاة» - حسبما يرى المسلمين- ليس بمأمن منه ومن أمثاله حتى في أبعد بقاع الأرض، وإنه لا يشعر بالندم ويتمنى فقط أن يستطيع قتل أكبر عدد ممكن من «الغزاة»، وأنه ليس هناك من بريء بين المستهدفين؛ لأن كل من يغزو أرض الغير يتحمل تبعات فعلته.. الغريب أن تارانت تناسي أنه ولد لأبوين بريطانيين هاجرا لأستراليا، أي أنه نفسه ليس صاحب الأرض التي يعيش عليها.

 لقد أثبتت جرائم الإسلاموفوبيا أن الإسلام بريء من تهم الإرهاب التي يحاول أن يسبغها الغرب على ديننا الحنيف، فما جرى في كرايست تشيرش، ما هو سوى الوجه الأكثر بشاعة للإرهاب اليميني المتطرف والعنصري اللعين، وعلى الضمير العالمي سرعة التحرك لمواجهة الإرهاب أيا كانت مسبباته ودوافعه وأفكاره المتطرفة التي تحض على الكراهية والعنف والقتل، فمن قتل إنسانا كمن قتل البشرية جمعاء، ويكفي أننا لم نطلق على فعل الإرهابي الأسترالي وصف «إرهاب مسيحي» لأن المسيحية أيضا دين سماحة وبريئة من أمثال هؤلاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها