النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10971 الثلاثاء 23 أبريل 2019 الموافق 18 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

روحاني في بغداد

رابط مختصر
العدد 10937 الأربعاء 20 مارس 2019 الموافق 13 رجب 1440

 من الطبيعي أن تكون علاقات الدول فيما بينها مبنية على تبادل المصالح والمنافع، وهذه قاعدة معروفة حتى من قبل نشوء الدول الحديثة أيضا. وأي علاقة بين دولتين تنشأ اليوم يكون مقتضاها المنطقي تعزيز الصداقة بينها وتحقيق المصالح المشتركة والمحافظة عليها. وفي هذا الأمر لا فرق بين دولة صغيرة أو كبيرة، إذ المسألة عرف ديبلوماسي يرتقي إلى مصاف القانون المنظِم للعلاقات الدولية. غير أن في علاقات الدول بعضها ببعض شيء من التراتب، فليست لكل الدول المكانة نفسها. كما يمكن أن تكون علاقة دولة ما بدولة أخرى محكومة بما تمليه ظروف مرحلية أحياناً وظروف ثابتة مقيمة في أحيان أخرى، ذلك أن هناك دولاً تنبني علاقاتها البينية على روابط الدم والثقافة والتاريخ فضلاً عن المبادئ والقيم العامة الموجهة للعلاقات الدبلوماسية، وهو ما يجعلها بالضرورة مقدمة على غيرها ولعل المثالين الأوروبي والعربي خير شاهد على ذلك على الرغم من أن المثال الأوروبي قطع شوطاً لا بأس به في الاندماج ضمن فضاء اتحادي منظم في حين أن المثال العربي ظل حبيس الشعارات الرنانة على أمل أن ينتبه القوم إلى أن علاقات الدول العربية فيما بينها ينبغي أن تكون من واقع إملاء ظروف ثابتة مقيمة نظرا لما يجمع بين هذه الدول من مصالح مشتركة قلما تتوافر بين دول العالم الأخرى.
 إن أي علاقة تقيمها دولة عربية مع دولة أخرى غير عربية ينبغي أن يكون عنوانها في أبرز تجلياته اقتصادياً سياسياً وثقافياً في مستوى إنساني عام. وهذا ليس زعماً مبنياً على نهج قومي لدى الكاتب وإنما هي خلاصة قراءة موضوعية للمعطيات التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية والثقافية وتشابكها في المجتمعات العربية، فما تنشئه دولة عربية من علاقات مع غيرها ينعكس بالضرورة على غيرها من الدول العربية، ويزداد الأمر أهمية إذا كان لهذه العلاقة تداعيات أمنية وجيو-إستراتيجية قد تؤثر في استقرار الدول وأمنها وأمانها.
 وإذا ما افترضنا جدلاً أن الزيارة التي قام بها رئيس جمهورية نظام الولي الفقيه حسن روحاني إلى دولة العراق العربية يوم الاثنين قبل الماضي قد جاءت بناءً على رغبة «الجارة» إيران في إقامة علاقات اقتصادية وسياسية وحتى ثقافية في حدودها الإنسانية! فإن اتفاقات معاهدات هذه العلاقات يجب أن تكون محكومة باحترام متبادل للسيادة. وفي كل حال فإن هذه العلاقات المفترضة بين إيران الفارسية والعراق العربية لا ينبغي أن ترتقى إلى المستوى نفسه لأي علاقة بين العراق وأي دولة عربية أخرى مهما كان التباين في وجهات النظر بينهما.
 وغني عن القول إن الدولة العراقية تفهم تماماً أن إيران هي التي تحتاج بشكل أكيد وعاجل، بحكم حرج النظام العالمي بوجود الكيان الثيوقراطي الإيراني وضيقه بعربدات هذه الدولة التي بلغت حد الوقاحة، إلى إقامة علاقة اقتصادية وسياسية مع جارتها العراق، وقد بلغت هذه الحاجة حدا يجعل من مرشد «الثورة» مستعدا للقدوم إلى بغداد زحفا يتوسلها شيئا من الود، وهذا يحتم على العراق أن يُقيّم بدقة الوضع الجديد الناشئ في أعقاب فرض العقوبات الاقتصادية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية والسياسية. وليس مطلوباً من الدولة العراقية أن تستمع إلى الأحزاب المذهبية الطائفية، الباحثة عن مخارج لأزمة النظام الإيراني من منطلق قناعة مذهبية فوق وطنية هي عندهم مقدمة على الانتماء إلى الوطن والدولة العراقية، وهذه الأصوات المذهبية هي نفسها التي تقيم العلاقة بين الدولة العراقية وإيران على أنها أسبق وأنفع من العلاقات بين الدول العربية. باختصار لا يجب أن يُنظر إلى العلاقات بين إيران والعراق من المنظور الإيراني ما يعني ألا تكون هذه العلاقات على حساب عمق العراق العربي.
 في ضوء ما تقدم هناك سؤال يطرح نفسه ومفاده هل زيارة الرئيس حسن روحاني إلى العراق أعطت هذا الانطباع؟ بمعنى هل أن الحكومة العراقية قوية بما فيه الكفاية بحيث تقف ندا للإيرانيين عند إجراء المحادثات لعقد الاتفاقيات المختلفة وتوقيعها؟ الحكومة العراقية، من وجهة نظري، لن تكون قادرة، طالما لم تتوافر بعد على الإرادة السياسية الصلبة والكافية، وطالما كان لأحزاب الإسلام السياسي السطوة التي جعلتها ممسكة بزمام القرار العراقي، ولذلك فإني أرى أن حكومة العراق لن تكون صاحبة قرار سيادي يتماشى مع تصريحات مسؤولين عراقيين بأن العراق ملتزم بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. وبهذا الخصوص فقد تسربت بعد يوم أو يومين من الزيارة بأن الرئيس روحاني جاء يوقع على اتفاقية «متَّفق» عليها مسبقا وتقضي بـ«إنشاء آلية في البنوك العراقية تسمح للعملاء الأجانب الذين يشترون النفط والغاز الإيراني بتحويل المدفوعات إلى العراق، كما لو كان النفط عراقيا ومن ثم تقوم البنوك العراقية بتحويل المدفوعات باليورو إلى طهران».
 في اعتقادي أنه بالإضافة إلى تعزيز العلاقات المذهبية على حساب الدولة العراقية وسيادية القرار فيها، فإن مسوغ زيارة حسن روحاني إلى العراق وهدفها الرئيس هو الالتفاف على العقوبات الاقتصادية طلباً لمتنفس ما يمدد أنفاس دولة عصابة الملالي في طهران. وفي اعتقادي أيضا أن هناك ضغوطاً تمارسها الأحزاب السياسية الدينية ذات النفوذ الواسع على الحكومة العراقية بأن تمتثل للرغبة الإيرانية هذه. وهذا في حد ذاته يشير إلى أن العلاقات بين العراق وإيران من جهة والعراق والولايات المتحدة من جهة ثانية مرشحة إلى التأزيم إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة لن تسمح بأي حال أن تُدمر استراتيجيتها الهادفة إلى إضعاف إيران وجعلها تستجيب للمطالب الأمريكية في ما يتعلق بجملة القضايا بين إيران ودول العالم، ويأتي على رأسها المفاعلات النووية وزعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج العربي.
 أختمُ بأمنية أراها صعبة التحقق في ظل المعطيات السياسية والاجتماعية في المجتمع العراقي وأقول، إنه بالرغم من معارضتي الشديدة لتدخل رجال الدين في السياسة، إلا أني كنت أتمنى أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي كان ممثلاً لجميع العراقيين وليس لمذهبه أو للحزب الذي ينتمي إليه في محادثاته مع الرئيس روحاني وأن يكون قد وضع مصلحة بلاده ومصلحة العرب الذين ينتسب العراق العظيم إليهم فوق كل اعتبار، وأرجو أن يكون ما صدر عن المرجعية الدينية في العراق على السيستاني عند لقائه الغريب بالرئيس روحاني ومرافقيه من ضرورة احترام سيادة العراق وعدم التدخل في شؤونها، لكي تنتهج سياستها الداخلية والخارجية بمعزل عن النفوذ الإيراني، كلاماً صادقاً، إذ لا أخفي سراً إذا قلت إني لا أثق في كل من ينصب نفسه أو يُنصَّب وسيطاً بين الله ومخلوقاته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها