النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

حول اعتداءات نيوزيلاندا 2-2

تشكل الذاكرات الجماعية المحفورة في القلاع الأسطورية

رابط مختصر
العدد 10937 الأربعاء 20 مارس 2019 الموافق 13 رجب 1440

ما تزال الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها نيوزيلاندا مؤخرًا تثير الكثير من التحليلات السياسية والثقافية، فضلاً عن مواصلة حملات الاحتجاج والتنديد. ولقد كنا ركزنا في المقال السابق على الخطورة الحاضنة الفكرية والسياسية التي يتغذى منها الإرهاب في الغرب الموجه ضد المسلمين تحديدًا.
فالمطالع للخطابات الصدارة عن الأحزاب اليمينية في الغرب (وبالأخص فرنسا وألمانيا وإيطاليا.) يجد أنها وضعت الأساس الفكري والايديولوجي للتنكيل بالعرب والمسلمين واجتثاثهم من الحياة الغربية والدعوة الى التخلص منهم وطردهم والقضاء عليهم!!
إن هذه الخطابات تتغذى بدورها من فكرة الصراعات التي تستحضر باستمرار الموروث الديني والثقافي والرمزي المشترك للحرب (انقسام العالم إلى ضفة مسيحية – يهودية عصرية لائيكية من ناحية، وضفة عربية – إسلامية من ناحية ثانية). والخطوط العريضة للتاريخ تعكس مسار تشكل الذاكرات الجماعية المحفورة في القلاع الأسطورية – التاريخية، وهي تتغذى دائما من المضامين الجدلية المرتكزة على الدفاع عن (الخير) و(الحق) في مواجهة (الشر) و(الضلال). والمعجم المستخدم إلى اليوم من قبل (أوروبا - الغرب العصري المتقدم) يستحضر التمثلات والكنايات القروسطية في ذات الوقت الذي يتم فيه الإعلان عن التمسك، وبقوة، بالإنجيل - الأرثوذكسي للقيم (الغربية): الديمقراطية، اللائيكية، والنزعة الأنسوية كما يسميها المرحوم الدكتور محمد أركون. ولذلك، لا غرابة أن يتم التأكيد وباستمرار على مستوى الخطاب الغربي على ضرورة وقف الهجرة وتكليف عدد من البلدان العربية والإسلامية إلى مصدات للوقوف في وجهة الهجرة واللجوء حتى وإن كانت من قادمة من خارج العالم العربي (من أفريقيا مثلاً).
وإذا ما أضفنا إلى ذلك موجات الهجرة واللجوء التي اتسعت كنتيجة مباشرة للصراعات التي اندلع بعيد الربيع العربي في عدد من الدول التي افرغت تقريبا من نصف سكانها، يكون بإمكاننا، تقدير الحاجة الماسة بالنسبة للدول الغربية لتجاوز مرحلة التبادل غير المتكافئ والتهميشي مع هذه الدول وضرورة معاودة التفاوض دون توقف مع دول قليلة الاهتمام بالشرعية الديمقراطية، من مرحلة جديدة تتسم ببناء الجدران بين جنة الغرب وبؤس العالمين العربي والإسلامي، على شاكلة الجدار الإسرائيلي والجدار الأمريكي مع المكسيك، مما يعني استحالة بناء تاريخ تضامني بين الشعوب، على قاعدة الاحترام المتبادل.
إن هذا التاريخ المشترك الذي يفترض أن تجري حوله المفاوضات بين العالمين العربية الإسلامي من ناحية والعالم الغربي من ناحية ثانية، سوف يعني تدشين مرحلة جديدة من الدبلوماسية الوقائية، ومن الفكر الإنساني المنفتح بعيدًا عن تاريخ الثارات لبناء التكامل والتنوع والتعايش فكرًا وممارسة، والتخلص من الفوبيات القاتلة التي صنعت ذلك الإرهابي الذي قتل في جولة هستيرية حوالي خمسين مسلمًا في نيوزيلاندا. وذلك لتجاوز المشكلات التي قسمت منذ قرون ما يسمى بالوعي الحضاري والوطني والديني، والذي كرسه عدد من التحليلات والقراءات المنحرفة المنحازة لتاريخ الصراعات والاوهام، والقابلة للتوظيف في كل أوان ضد (العدو) الذي تم تشكيله منذ زمن بعيد.
وحدها النزعات الإنسانية المتسامحة والمتعالية على ثقافة الحروب والاقتتال الدائم، من شأنها بناء التضامن الإنساني في مواجهة نزعات الشر، ومواجهة التحديات المشتركة الأكثر خطورة. كما أنه من الخطأ الجسيم بالنسبة إلينا كعرب ومسلمين اعتبار الإسلام أيديولوجية قتال دائم، تلك المنظومة التي لا تتحرك في الغالب إلا في إطار علاقة جدلية ورد فعل ضد الضغوط الخارجية والاعتداء الخارجي المستمر منذ قرون.
كما يجب أن نقر أيضا وبذات القوة أن جدلية الهيمنة والاعتداء السياسي والثقافي والسيطرة من قبل الغرب يقابلها إحساس متزايد بالضعف والإهانة والتخلف والقمع والاحباط عند الطرف الاخر. ولا شك أن مثل هذه الجدلية بالرغم من بداهتها ووضوحها فإنها لم تقرأ بشكل موضوعي من قبل الغرب، بل إنها مقروءة قراءة معكوسة في بعض الأحيان، مثلما هو الشأن بالنسبة للعديد من الكتاب المؤثرين جدًا، مثل (بر نار لويس) الذي فسر اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001م بأنها نتيجة طبيعية للعوامل الذاتية الخاصة بالإسلام وطبيعته وبطبيعة الأنظمة العربية والإسلامية نفسها. ويجب في هذا السياق أن نذكر بالأسباب البعيدة والأسباب المباشرة المرتبطة بالبني الخاصة بالمجتمعات الإسلامية، فضلاً عن العوامل المتعددة والظروف الناشئة عن التدخلات السافرة من قبل الغرب في المجتمعات الإسلامية.
إن هذا الجنون القاتل وهذه الإدانات المتبادلة وهذه الاقصاءات الجذرية التي نشاهدها منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001م لا تتيح الفرصة مطلقًا للأصوات القادرة على فتح آفاق جديدة للفكر وللمعرفة وللعمل التاريخي مع أنها جميعًا هي الحل وهي الطريق الوحيد للنجاة من ذاكرة الحروب والاقتتال والكراهية الساكنة في القلوب والعقول والتي يتم تشغيلها باستمرار.
قول على قول
تعقيبًا على ما أوردته على لسان أحد القراء في مقال سابق، بشأن التعددية والحرية والديمقراطية، وردني تدقيق من أحد ذات القارئ المحترم، جاء في موجزه:
«ما كتبت إليكم إلا تفاعلاً مع ما قد بادرتم بكتابته، وما تفاعلي معه إلا اعتداد به وتقدير لصاحبه وللأهمية التي أراها لمكتوباته في مشهد صحفي قلما استثار اهتمامي. وبعد هذا، أشكرك على ما أغدقته على من كريم الإطراء، وإني لأرى صاحبك -على كثرة مثابرته في القراءة والتفكير-أبسط من ذلك وأدنى. والخلاصة أنني أحب أن أقرأ لكم، وتقديرًا وإيمانًا تجاوبت فعقبت. ومع ذلك، أرى أن التعقيب الثاني الذي أورته في مقالك ونسبته إلى أحد الأكاديميين، كان محقًا فيما لفت إليه، إذ أن التعدد (plurality) لا يدار مواطنيًا (طبقًا لمنظور المواطنة وفلسفتها) إلا إذا تأسست هذه الإدارة على ثقافة تعددية (pluralistic culture/‏‏pluralism)، أما إذا كانت البيئات (الوطنية وما دون الوطنية) والحواضن (الاجتماعية والإيديولوجية) غير تعددية (أي أحادية) فلا فرصة لوجود (فضلاً عن ازدهار) الحرية والديمقراطية. أما التعدد فإنه - متى وجد في مجتمعات هذه حال بيئاتها وحواضنها - يصبح، ضمنها وبسببها، خميرة لظهور الانغلاق والانعزال والانقسام والتفكك والانفصال، ولظهور التعصب والاستعلاء والكراهية والتطرف، ولنشوب الصراع والعنف اللذين قد يصلان حد المواجهات لا قدر الله. فلقد كان مهمًا جمعكم بين التعقيبين. وهكذا ترون أن مقالكم الأول هو ما فتح ابتداءً، الباب، وأن مقالكم الثاني، هو ما استوعب، بين طياته، التعقيب والجواب».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها