النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

صوت من لا صوت له

رابط مختصر
العدد 10937 الأربعاء 20 مارس 2019 الموافق 13 رجب 1440

كانت فرق الأداء الغنائي النسوي في الأعراس يرددن من بين الأغاني الشجية والتي تأخذ في طبيعتها أداء لون من ألوان الغناء اللحني يسمى «الدزة»، فتقول المنشدة: «يا سامع الصوت صل على النبي أول محمد وابن عمه علي ولا تنسون بو الفضائل علي»، وكذلك يفعل «النهام» على سفينة الغوص يردد مثل هذا القول على ظهر السفينة كأداء به الحماس؛ من أجل مواصلة زملائه العمل بالاستعانة بالذكر الطيب والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهار المنتجبين، ومن بينهم الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، وزوج البتول فاطمة الزهراء أم الحسن والحسين سيدي شباب الجنة عليهما السلام.
فسماع الصوت للآخرين فيه تعبير عن مكنونات النفس، وما يعتمل في الضمير، وما يدور في الخاطر وما تختزنه الذاكرة، ولذا كان احترام سماع الصوت والإصغاء إليه بكل الجوارح من الأمور المحببة ومن الأخلاق التي يجب أن يحرص عليها المرء في حياته.
قد يخشى المرء أحيانًا إسماع صوته للآخرين تحسبًا من عدم فهمهم له بالصورة الصحيحة أو يُساء فهمه على غير المراد فيفقد المجتمع صوتًا قد تكون فيه الفائدة والمنفعة لهذا المجتمع، وقد يكون الصوت يحمل في طياته فكرًا ورأيًا جديرًا بالأخذ به والتمعن فيه، فيكون في خيره نفعًا لفكرة أو مشروع على المستوى الفردي والجماعي أو على مستوى الدولة..
كان الأقدمون وفي موروثنا الشعبي يقولون: «تعلم ممن هو أكبر منك وأصغر منك» فربما تأتي النصيحة لك ممن يكبرك سنًا ومقامًا وقد تكون من هو أصغر منك سنًا ومقامًا، فنحن فعلاً نتعلم من أطفالنا وأحفادنا، وبالضرورة نتعلم من أولئك الذين خبروا الدنيا ومروا بتجارب كثيرة وصادفتهم في حياتهم صعاب ومتاعب جمة، فتجاوزوها وشقوا طريقهم في الحياة بتناصح بعضهم بعضًا والاستفادة من خبرات الآخرين وتخصصاتهم العلمية والقانونية.
فنحن في زمن ارتفعت فيه المناشدة والمناداة بسماع صوت من لا صوت له؛ نظرًا للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمر بها الأمم فتأثرت من جراء ذلك شرائح من المجتمعات كثيرة، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن ممن لا يملكون حيلة ولا حول ولا قوة لهم.
والمجتمعات القوية هي التي تتيح الفرصة لسماع صوت الآخر، خصوصًا تلك الأصوات المخلصة التي تنشد الخير للوطن والمواطن أولاً، كما تنشد الخير لها بالتبعية.
إن المرء بما يملك من قدرات عقلية يستطيع أن يميز الصوت العاقل المتزن من تلك الأصوات النشاز التي لا يهمها فقط إلا أن تسمع صوتها وكفى..
يحدثنا أصحاب المجالس في زمان كانت المجالس مدارس، إن مجالسهم كانت مفتوحة في المدن والقرى، وفي الأحياء بل إن كل بيت يبتنى لابد من وجود مجلس فيه، يتم استقبال الضيوف فيه، كما يتم التشاور والتزاور وإقامة الولائم في المناسبات، وحتى عندما كان يغيب الرجال في الأسفار لطلب الرزق والبحث عن محار اللؤلؤ عندما كان الغوص هو المهنة الرائجة، يظل المجلس قائمًا تديره ربة البيت في حال طرأ عليهم زوار وخطار من أهلهم ومعارفهم وتقوم الزوجة وأهل البيت بواجب إكرامهم وإيوائهم نيابة عن زوجها، شعورًا منهم بالواجب وإحساسًا بعدم اتهامهم من الآخرين بالتقصير...
كان من ضاقت به الدنيا يلجأ إلى مجالس الرجال يسمع صوته للآخرين فيمدون له اليد بالعون والمساعدة وفك ضائقته، وكذلك كانت النساء في مجالسهن يستمعن إلى أصوات بعضهن ويقدمن ما يستطعن من مساعدة وعون، وكذلك يتبادلن النصائح ويتشاركن في إغناء تجارب بعضهن بعضًا.
كلما تعقدت الحياة، وتنوعت مشاكلها وتباينت معطياتها كلما أصبحنا بحاجة إلى الأصوات الصادقة والأمينة والمخلصة التي تنشد الخير للآخرين، وتحرص على المنفعة العامة والمصلحة العليا..
كان من العيب والمثلبة عند الأقدمين أن لا تساعد من يلجأ إليك لحاجة أو مشورة أو رأي، وإن كنت لا تملك أن تفرج عنه، فهذا لا يعني تخليك عنه، وإنما تسعى معه جاهدًا للوصول إلى من يحل هذا المشكل ويخفف عن السائل حيرة السؤال فالمشاركة الوجدانية عندهم كانت مرتفعة.
ونحن نواجه في حياتنا الكثير من المشكلات التي لا نجد لها حلاً عندنا، ولكننا قد نجدها عند من هم أخبر منا في ذلك ومن يستطيعون أن يقدموا الحلول...
إن الاخلاص في النية، والرغبة في البناء والنماء أساس إبداء النصح وإسماع الصوت إلى من يملك الحل والعقد.
في زماننا أنشئت المجالس التشريعية والجمعيات المهنية وجمعيات النفع العام وجمعيات المجتمع المدني، كما أقيمت الأندية الثقافية والأدبية، والمنتديات الفكرية ومراكز البحوث والدراسات، وكلها المفروض منها أن تكون بالإضافة إلى صوتها أو أصوات من ينتمون إليها، فهي معنية أيضًا بإسماع صوت من لا صوت له. لأن في ذلك خدمة للأوطان وبناء المواطن الصالح القادر على العطاء والذي ينشد الخير لوطنه والآخرين الذين يعيشون معه ويلتحفون بسماء الوطن الذي ينتمي إليه.
سنظل بحاجة دائمًا إلى الاستماع إلى صوت أهلنا وأصدقائنا وزملائنا في العمل وشركائنا في الوطن.

وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها