النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

دور المرأة التونسية في استقلال بلادها

رابط مختصر
العدد 10936 الثلاثاء 19 مارس 2019 الموافق 12 رجب 1440

طويلاً ما ارتبط استقلال تونس باسم «الزعيم» الحبيب بورقيبة، حتّى لا تكاد الذاكرة العربية تستحضر شخصيّة أخرى من الشخصيات الوطنية أو النقابية التونسية كلما تحدّثنا عن ملحمة النضال الوطني ضدّ المستعمر الفرنسي. ولعلّ ذلك يعود بالأساس إلى الوصاية التي فرضها الرئيس الراحل على ذاكرة الاستقلال الوطني بحجب كل من كان له ندًّا، أو تغييب من هو أعظم منه شأناً. وتحالف معه «مؤرخو السلطان» وإعلام دولة الاستقلال المسيّس الذي زاد في تغييب كوكبة من الشخصيّات الوطنية على غرار النقابي العظيم فرحات حشاد والمناضل صالح بن يوسف، والقائمة تطول.
لكن من المفارقات أن يُحسَب للرّئيس الراحل الحبيب بورقيبة دوره العظيم في النهوض بالمرأة وإعطائها الكثير من حقوقها، في الوقت الذي تعمّد فيه، بشكل أو بآخر، تغييب دور النساء المناضلات اللائي ساهمن في تحرير المرأة التونسية واستقلال البلاد. وأكتفي في هذا المقال بالحديث عن شخصية نسوية تونسية مناضلة عُرِفتْ باسم (أمّ تونس) تحيّة للمرأة التونسية الأصيلة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة والعيد الوطني التونسي.     
 إنّ ما حقّقته المرأة التونسية من مكتسبات وحقوق لا يدخل في خانة التشكيك مطلقاً، وهو ما جعلها تحتل المراتب الأولى عربيًا وحتى عالمياً، هذه الحقوق والمكتسبات نادت بها كوكبة من النساء المثقفات المتعلمات منذ قرن تقريبًا، وزادها تعميقاً وبروزاً الطاهر الحداد في كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، وناضلت من أجلها المرأة التونسية قُبيل الاستقلال، وبعده، وحتى اليوم. لكنّ النبش في الذاكرة المفقودة للنصف الأول من القرن العشرين، ومن أجل مزيد إنصاف من ظلمتهم الآلة الإعلامية والتعليمية لدولة الاستقلال، سنُلقي الضوء على المناضلة «بشيرة بنت مراد» مؤسسة أوّل اتحاد نسائي سنة 1936، والتي نذرت وقتها للنضال من أجل تحرير المرأة واستقلال البلاد.
 السيدة بشيرة بن مراد من أبرز زعماء الحركة الوطنية، وأم الحركة النسائية في تونس، ولدت سنة 1913 في عائلة عريقة في العلم والدين بتونس العاصمة، فجدها الشيخ أحمد بن مراد كان مفتياً، أما والدها المدرّس بجامع الزيتونة الشيخ محمد الصالح بن مراد فهو شيخ الإسلام الحنفي. وقد تلقّت بشيرة بن مراد تعليماً دينيّاً وأدبيّاً تقليدياً عن بعض الشيوخ بجامع الزّيتونة. وبعد أن تعلّمت قواعد اللّغة العربية وحفظت ما تيسّر من القرآن الكريم، وقدراً من عيون الشّعر العربي تطلّعت إلى الكتابة والتّأليف فصقلت موهبتها في مجال الكتابة والخطابة، ثمّ بدأت تخطّ حروفها المدافعة عن المرأة باسم مستعار في صحيفة (شمس الإسلام) التي أسّسها والدها. وكان زوجها الشّيخ صالح الزّهار مسانداً لها في رسالتها وفي مسيرتها النّضالية.
وقد نجحت في أن تكون قدوة لغيرها بمبادرتها إلى تأسيس (الاتّحاد النّسائي الاسلامي التّونسي) أوّل منظمة نسائية تونسية تعنى بالدفاع عن حقوق المرأة التونسية سنة 1936 برئاستها وعضوية السيّدات حبيبة حجّوج وجليلة مزالي، ونبيهة بن ميلاد وتوحيدة بن الشيخ أول طبيبة تونسية وعربية وغيرهنّ... وبقيت الجمعية تنشط رغم أنها لم تحصل على التأشيرة إلا سنة 1951. وقد ضمّت هذه المنظمة شمل النّساء النّاشطات في الحقل الوطني والثّقافي بما يخدم القضيّة الوطنيّة ويرتقي بأحوال المرأة التّونسية، وقد نظّمت هذه الجمعية استعراضًا نسائياً كبيراً بالعاصمة هو الأول من نوعه تقدمته المناضلة بشيرة بنت مراد وهي تحمل علم تونس، ثمّ بعثت لهذه الجمعيّة فروعًا مماثلة داخل أرجاء البلاد.
وبالتوازي مع ذلك، تواصلت مقالات بشيرة بن مراد في الصّحف والمجلاّت، وساهمت في تأسيس مجلة (تونس الفتاة)، ودعت إلى تمتع المرأة بحقوقها كاملة، وفي مقدمتها حقّ التعليم، مبرزة أن الإسلام جاء ليحرّر المرأة، وليسوّي بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. وتميّزت بشيرة بن مراد بنظرتها المعتدلة إلى مسألة حرية المرأة، فقد أوضحت قائلة: «وليست الحرية والمساهمة في الحياة الاجتماعية بابا تَلِجُه المرأة إلى عالم الانحراف، بل عليها أن تتمتّع بحريتها مع حفظ كرامتها وصون عفافها». كما دعت إلى تحمّل المرأة واجب النضال ومسؤولية البناء مع شقيقها الرّجل. وفي مجال العمل الخيري كانت بن مراد تقدم مساعدات مالية للطلبة الذين يدرسون بالخارج، مثلما كان يفعل والدها من قبل، كما ساعدت العديد من العائلات وهكذا جلبت أعمالها الخيريّة لها حبّ الناس واحترامهم.
 وقد تقرب الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة من بشيرة بنت مراد، قبل الاستقلال خاصة وقد ذاع صيتها وعرفت بنشاطها وخطاباتها في الحركة الوطنية النسائية حتى أنه نعتها بـ(أم تونس). لكن وفي أوائل الاستقلال، انقلبت الموازين، وانقلب بورقيبة على (أمّ تونس) كما انقلب على غيرها، وعزلها عن الحياة السياسة والحركة النسائية؛ فقد كان خطابها الشهير الذي ألقته سنة 1955 بمعهد (كارنو) والذي نادت فيه بالمساواة بين المرأة والرجل ناقوس خطر لبورقيبة دفعه إلى إقصاء بن مراد من الساحة السياسية خوفاً من أن تخطف منه الأنظار التي كانت متجهة نحوه، وخشية على صورة «البطل» الذي حرر المرأة التونسية. والحقيقة أنّ النساء هن من حرّرن أنفسهن بأنفسهن، فمنذ الثلاثينات كانت هناك حركية ونشاط في صفوف النسوة الباحثات عن التحرر، وما مجلة الأحوال الشخصية التي تأسّست سنة 1955، إلاّ نتاج نضالات بشيرة بن مراد وبقية النساء من حولها.
 هكذا تُعدّ (لَلّا بْشيره) كما يُنادونها في تونس، أيقونة النّهضة النّسائية، ذلك أنها استطاعت أن تُرسيَ تقاليد العمل السّياسي والنّضالي الوطني، وتثبّت دعائمه في حياة المرأة التّونسية. وقد تُوفيت، رحمها الله، في 5 مايو 1993، فتحية لها وللمرأة التونسية في هذه المناسبة الوطنية، وكما قال الشاعر: «نساء بلادي نساء ونصف».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها