النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

حول اعتداءات نيوزيلاندا:

البنى التحتية للكراهية تنتج مادتها!!

رابط مختصر
العدد 10935 الاثنين 18 مارس 2019 الموافق 11 رجب 1440

جرت العادة منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001م أن تنسب أغلب الاعتداءات الإرهابية في العالم إلى المسلمين، بغض النظر عن جنسياتهم، وزادت ظاهرة القاعدة وداعش هذه المعادلة رسوخًا في أذهان الغرب، وجرى منذ ذلك التأكيد على الربط الآلي بين الإسلام والإرهاب، والإسلام والعنف.
ولكن ماذا إذا كان الاعتداء على المسلمين مثلما حدث مؤخرًا في نيوزيلاندا، صادرًا عن غير المسلمين من المواطنين الغربيين؟
الجواب في العادة يكون على النحو التالي: (إننا ضد العنف مهما كان مأتاه - المعتدي من اليمين المتطرف - المعتدي مريض نفسيًا... الى آخر تلك التبريرات التي لا تربط أبدًا بين الغرب والإرهاب أو بين المسيحية والإرهاب بين اليهودية والإرهاب... بين فكرة صراع الحضارات والإرهاب...
ما هي مشكلة هذا الإرهابي القاتل مع المسلمين الذين كانوا يصلون في مساجدهم في سكينة؟
ما الرسالة التي كان يريد إيصالها للداخل والخارج؟
كيف صور الإعلام الغربي هذه الجريمة البشعة وكيف قرأها؟
إن المتابع للتحليلات الإخبارية في أغلب القنوات الفضائية الغربية المشهورة يلاحظ أمرين: الأول هو هذا التنديد الآلي السينمائي البارد بالجريمة (لأنه لا مناص من ذلك) والأمر الثاني، البحث عن التبريرات المناسبة لمثل هذه الاعتداء، وإن بطريقة غير مباشرة أحيانًا: (الإسلام - المسلمون - الهجرة اللجوء وصراع الحضارات).
أما تنامي النزعات القومية الغربية، والحركات الفاشية والعنصرية، أما الفوبيا الغربية المنتشرة في المدن الغربية ضد الإسلام والمسلمين، أما دور الإعلام الغربي في التحريض ضد الإسلام والمسلمين، أما بعض الفكر المشوه الذي تتبناه حتى بعض مراكز البحث والدراسات، فأمور لا تكاد تذكر أو حتى يشار إليها، إلا قليلاً جدًا!!
إن مفهوم صراع الحضارات الذي بدأ يتكرس في الغرب فكرًا وممارسة، يعد ردة خطيرة في العلاقات بين الشعوب والأمم، تستعيد الكراهية وصيحات الحرب وتستحضر الذكريات الأليمة ورموز الاستفزاز الحضاري. وما نزال نذكر تلك النظرية التي اقترحها هانغتون منظر صراع الحضارات والعداء للمسلمين والعرب وإعلان صيحات الحرب التي تعالت وتريد أن تثبت ألّا صوت يعلو فوق صوت صدام الحضارات والكراهية بين الشعوب.
 صحيح أن العداء موجود على ضفتي العالمين الغربي والإسلامي ولأن العوامل التاريخية والثقافية ومقومات هذا الصراع وإمكانيات استحضاره موجودة فإنه حري بالسياسيين والمثقفين في الجهتين ممن يؤمنون بأن قدر الإنسانية أن تتعاون وأن تتعايش مع خلافاتها واختلافاتها، أن يواجهوا هذا الاتجاه المدمر والذي يعمل على تأجيج الكراهية بين الشعوب والأديان والثقافات، وهو الاتجاه الآخذ في الانتشار في المعسكرين. فليس من الحكمة ولا مما يخدم الحضارة الإنسانية، الاستمرار في ترديد شعارات الكراهية واستحضار رموزها مثل الحديث عن الصراع مع الصليبية الجديدة وغير ذلك مما عانى منه العالم الإسلامي بسبب أطماع الغرب ونزعته الهيمنية.
يوجد حاليًا أكثر من عشرين مليون مسلم يعيشون في أوروبا وفي استراليا ونيوزلندا وفي العديد من المناطق الأخرى – غير مواطنهم الأصلية – جاءوا من أفق العوالم البائسة، من بلدان الطرد السكاني في المستعمرات القديمة، وصار تجذر المهاجرين ظاهرة لا رجوع عنها. مما أدى لاحقًا إلى بروز التعبير عن الهوية الإسلامية كعنصر رئيسي من عناصر الاستقرار داخل هذا الحيّز المهاجر المستقر في أوروبا العلمانية. وفي ضوء تنامي قضايا الإرهاب الذي بات ربطها حصريًا بالمسلمين، تتحدث أوروبا الغربية اليوم بصوت واحد تقريبًا، من خلال صياغة مختزلة تتحدث عن ضرورة اندماج المهاجرين، حيث لا تريد أوروبا ولا تستطيع التخلص من هؤلاء، وإنما تريدهم أن (يذوبوا في النسيج الاجتماعي والثقافي الأوروبي.) مما جعل المسلم وللمرة الأولى في التاريخ يجد أنفسه يعيش في مجتمعات لا تحتل فيها المرجعيات الدينية مكانًا رئيسيًا في الحياة الاجتماعية والسياسية، بل تنحصر في دائرة الحياة الخاصة. إلا أن المشكلة سوف تظل قائمة في بلدان الغرب وهي مقاومة الاعتراف بالإسلام في المجتمعات الغربية كجزء لا يتجزأ من مكونات تلك المجتمعات، حيث يطلب من المسلمين أن يذوبوا وأن يتخلوا عما هم فيه وعليه، حتى يصبحوا مقبولين في هذه المجتمعات..!!
وفي المقابل ما هو مطلوب منا، كعرب وكمسلمين لمواجهة هذه الإشكالية المتصاعدة؟
المطلوب مواجهة لغة الكراهية والأوهام التي تصور الغرب على أنه شر مستطير، وأنه فساد وانحراف، هذا الخطاب الذي يصور الغرب كله كتلة واحدة تتآمر علينا، هذا الخطاب الذي يصور الحرب الدائرة الآن، وأي حرب أخرى وأي نزاع أو خلاف أو علاقة مع الغرب على انه مجرد حرب عنصرية دينية طائفية، بإلقاء المسؤولية على الآخرين كلما ألمَّ بنا مصاب أو مصيبة، وكذلك الميل إلى تبرئة النفس تبرئة مطلقة.
علينا أن نعترف أن النبرة الدينية المتشددة التي تسود بعض خطاباتنا السياسية والدعوية على حد سواء من شانها أن تخلق نوعًا من تزييف الوعي ونوعًا من عدم القدرة على التعرف على الواقع كما هو. علينا أن نقول إن التطرف الفكري والإعلامي والخطابي يتيح للخصم وفرة في العتاد، ويكفي أي عدو مؤونة البحث عن دلائل وشواهد تثبت ما يريد أن يثبت من تهم وأوصاف الإرهاب والتطرف والعنصرية ضدنا.
إن قتل الأبرياء وتصويره على أنه نضال وتقسيم العالم إلى فسطاطين، فسطاط كفر وفسطاط إيمان من شأنه أن يشيع عنا صورة سيئة في العالم الجديد الذي نحن مجبرون على التعاطي معه على مختلف المستويات! وقولنا هذا لا يجب أن يقلل من جرائم الغرب ضد العرب والمسلمين ماضيًا وحاضرًا، ولا من وحشية السياسة الغربية التي تبذر بذور التطرف في العالم والانحطاط وفقدان الأمل في بناء حضارة وإمكانيات التعايش بين الشعوب والأديان.
 
وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها